الحمد لله رب العالمين، والصلامة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فقد جاء الدين الإسلامي الحنيف بتشريع كامل، يفي بحاجات المجتمع في جميع شؤونه؛ من عبادات، ومعاملات، وجنايات، وأحكام للأسرة، ومن أحكام المعاملات التي سنها هذا التشريع السماوي أحكام الشركات؛ فأباحها، بل رغب فيها عند الحاجة إليها، وباركها، وهذه الشركات (العنان، والوجوه، والأبدان، والمضاربة، والمفاوضة) ذكرها الفقهاء السابقون في كتبهم، وتعامل بها المسلمون زمنًا طويلًا، وما زال بعضهم يتعامل بها.
وبعد التخلف الفكري الذي شمل الأمة الإسلامية، وبعد اتصالها بالحضارة الغربية، وتقليدها إياها في معظم شؤونها، استعاضت هذه الأمة في كثير من بلاد الإسلام عن أحكام شرعها بقوانين وضعية من صنع البشر، وقد عرف العالم الإسلامي - مما عرف - أنواعًا من الشركات المجلوبة، تم تطبيقها، وعم انتشارها، مع أن في شرعنا الإسلامي الحنيف كنوزًا تغني المسلمين عما سواها؛ حيث إن التشريع الإسلامي هو المشهود له بالسبق والشمول والعدالة والدقة، في تقرير الأحكام، وحسبك أنه رباني، وما عداه؛ فهو من صنع البشر.
أما أهل هذه البلاد؛ المملكة العربية السعودية فينعمون ولله الحمد بتطبيق شرع الله القويم، ويعضون عليه بالنواجذ؛ سواء في العبادات، أو المعاملات، أو الجنايات، أو أحكام الأسرة، أو في غير ذلك.
[ ١١ ]
ولكل ما سبق اخترت «شركات العقد في الشرع الإسلامي» موضوعًا لرسالة الماجستير، لأبين في هذه الرسالة أن أحكام الشرع الحنيف وافية وكافية لحاجات المجتمع، وأنها صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان، وأن أحكام شرع الله تغنينا عن غيرها؛ إذ فيها الغناء كل الغناء.
كما أنه قد بدت حاجة المملكة ملحة إلى وضع نظام شامل للشركات، يوضح الأحكام واجبة الاتباع في تأسيس الشركات، وفي مزاولتها لنشاطها، ويبين مدى صلاحيات وزارة التجارة والصناعة في مراقبتها والإشراف عليها حفاظًا للصالح العام، ومحافظة لما تحت يد تلك الشركات من أموال الأفراد، وقد نص في النظام، أنه عند وضعه اعتمد فيه على ما استقر في العمل من القواعد التي أثبتت التجربة صلاحيتها، وجرت بين الأفراد مجرى العرف، مع الأخذ بالصالح من أحكام أنظمة الدول الأخرى، وذلك بعد استبعاد ما يتعارض من هذه الأحكام، وتلك القواعد مع الشرع الحنيف، وأمر بأن أحكام الشرع أصل لا يجوز الخروج عنه.
ورأيت أن أضع رسالتي هذه في موضوع الشركات، ليكون هذا سبيلًا فيما بعد - إن شاء الله - إلى دراسة نظام الشركات السعودي، ومقابلة أحكامه على آراء فقهاء الشريعة، ومعرفة مدى انطباقه عليها.
وهذه الرسالة عبارة عن دراسة فقهية مقارنة لشركات العقد؛ لدى المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي)، وأحيانًا كثيرة أذكر في بعض المسائل أراء فقهاء آخرين كالأئمة، ابن حزم، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وأبي ثور، والأوزاعي، وغيرهم.
[ ١٢ ]
وقد اعتمدت في بحثي، لنقل آراء المذاهب السابقة المصادر الأصيلة لهذه المذاهب، وكتب التفسير، والحديث الموثوق بها، واستفدت بما أمكنني الحصول عليه من كتب العلماء المعاصرين، سواء في الشركات، أو في غيرها.
وقد كانت طريقتي أثناء كتابة الموضوعات تقرير المسألة، وتحديد معالمها، وموضع الخلاف - إن كانت خلافية- ثم أذكر آراء العلماء، ثم أعرض أدلة الفقهاء في المسألة، وبعد الاستدلال من الجانبين والمناقشة أرجح ما أراه قويًا، مع بيان سبب الترجيح بعيدًا عن التعصب المذهبي، مستهديًا بمقاصد الشريعة السمحة، والعرف الصحيح، ودرء المفاسد وجلب المصالح، على أن ترجيحي - هو صواب في نظري - يحتمل الخطأ، وقليلًا ما أدع الترجيح، وذلك عندما لا يتبين لي رجحان أحد الآراء.
ولا يخفى ما يواجهه الباحث من صعاب في تجميع مادة الرسالة، ومن تحقيق أقوال الفقهاء في المذاهب المختلفة، ومن وضع كل مسألة في موضعها المناسب لها، ومن الوقوف أمام بعض المسائل أيام وأيام دون أن يطمئن فيها إلى قرار، لا سيما أنه في فترة إعداد هذه الرسالة لم تتح لي الظروف للسفر إلى خارج البلاد للاطلاع على مزيد من المراجع، خاصة المراجع الفقهية الحديثة.
وقد جعلت هذه الرسالة بعد المقدمة في ثلاثة أبواب وخاتمة، وثبت للمراجع:
الباب الأول: في التعريف بالشركة، وأركانها، وشروطها، وأحكامها، وفيه أربعة فصول، وتحت كل فصل مباحث.
الباب الثاني: في أنواع شركات العقد، وأحكام كل نوع: وفيه ثلاثة فصول، وتحت كل فصل مباحث.
[ ١٣ ]
الباب الثالث: انفساخ الشركة وانقضائها وفيه فصلان.
الرموز والمصطلحات:
م: إذا جاء بعدها اسم فتعني مطبعة.
م: إذا جاء بعدها رقم فتعني مادة.
ط: إذا جاء بعدها رقم (١) مثلًا فتعني الطبعة الأول، وهكذا.
ق: تعني قاعدة.
إذا جاء ٥/ ١٢/ ١٢٠، فالرقم الأول يعني المجلد، والرقم الثاني يعني الجزء، والرقم الثالث يعني الصفحة.
الشرح الكبير: إذا أطلق فالمراد به الشرح الكبير لابن قدامة.
تم أصله عام ١٣٩٥ هـ
تم الفراغ من إعداده للطباعة يوم السبت ١١/ ربيع الآخر/ ١٤٤٤ هـ
الذي يوافقه ٥/ نوفمبر/ ٢٠٢٢ م
[ ١٤ ]
الباب الأول