عرف ابن القيم ﵀ النقود بأنها: المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، وأنها لا تقصد لأعيانها، بل يقصد بها التوصل إلى السلع. (^٢).
فقوله: (المعيار) أي أن النقد هو الشيء المحدود المضبوط، بأي وسيلة من وسائل الضبط التي تبعده عن الغرر أو التدليس.
وقوله: (الذي به يعرف تقويم الأموال) أي الذي جري عرف الناس على أنه نقد تقوم السلع به، ولا يقوم هو بغيره، ويزيده إيضاحًا أنه لا يقصد لعينه، فهو ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحقيق الغايات، وهي السلع التي يحتاج إليها الناس.
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣/ ٤.
(٢) إعلام الموقعين ٢/ ١٣٢، وقد أشار بعض الفقهاء إلى ما يؤيد هذا التعريف، فقد جاء في المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس ﵀ ٣/ ٨/ ٣٩٥ «ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/ ٢٥١ - ٢٥٢ ما نصه: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا - إلى أن قال -والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» وفي إحياء علوم الدين للغزالي ٢/ ٦٢ «وإن كان نقدًا رائجًا في البلد رخصنا في المعاملة لأجل الحاجة». وجاء في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي لمحمود أبو السعود ص ٢٢" والثابت من تاريخ البشرية أن النقود قد تكون سلعة غير الذهب والفضة فقد وجدت نقود من الحجر والخز … الخ.
[ ٥٥ ]
فقوله: (المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال) عام يشمل كل شيء تعارف الناس على أنه نقد، فيشمل القطع المسكوكة من الذهب والفضة، وكذلك القطع غير المسكوكة إذا كان العرف يثبت ثمنيتها، كما يشمل الفلوس النافقة، والأوراق النقدية؛ حيث إن التعريف يصدق على كل ذلك.
وعرف علماء الاقتصاد النقد: «بأنه كل شيء يلقى قبولًا عامًا (باعتباره) وسيطًا للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون» (^١)، والمراد بالقبول العام أي في الأسواق، أو أمر الدولة باعتباره نقدًا صحيحًا.
وبهذا التعريف يتضح لنا، أن أي وسيط للتبادل مقبول قبولًا خاصًا لا يصح تسميته نقدًا؛ كالسندات الإذنية والكمبيالات والشيكات، لأنه لم يصطلح على نقديتها، وفي التعبير بكلمة يلقي دون التعبير بماضيها - لقي - إخراج للعملات السابقة (^٢)، التي ألغي التعامل بها عرفًا أو بأمر من الدولة عن مسمى النقود، وعما لها من الأحكام.
وقوله: (باعتباره) يعني أنها لا تقصد لذاتها بل لتؤدي دور الوسيط في الوصول إلى الحاجات.
وقوله: (كل شيء) شامل لما كان ذا ندرة عالية في نفسه؛ كالذهب والفضة، أو ما في حكمهما كالأوراق النقدية (^٣).
وبهذين التعريفين نرى أن الاقتصاديين وافقوا الفقهاء في تعريف النقد. إذا تبين هذا فتقول: اتفق الفقهاء على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة
_________________
(١) الورق النقدي، ص ١٣ - ١٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق، ص ١٤.
[ ٥٦ ]
المضروبين (^١)، لأنها عرفت أثمانًا ومعيارًا لقيم الأشياء المالية، ويلحق بهما ما في حكمهما مما هو وسيط للتبادل؛ كالفلوس وكالأوراق النقدية، لأن هذه العلة وجدت فيها، كما يأتي في بحث الفلوس والأوراق النقدية.
التبر والنقرة والحلي والجواهر والمغشوش، هل هي نقود أم عروض؟ وهل يصح جعلها رأس مال للشركة؟ (^٢).
قال الحنفية والمالكية: هذا يختلف باختلاف العرف في كل موضع، فإن كانت المبيعات بين الناس في بلدة بالتبر فهو كالنقود، فتجوز الشركة به، وإن لم يكن في ذلك عرف ظاهر فهو كالعروض (^٣).
أما الشافعية فنقل عنهم الرافعي أن غير المضروب من التبر والحلي والسبائك قد أطلقوا منع الشركة فيها (^٤)، وفي تحفة المحتاج وحاشية البجيرمي أنها تصح في كل مثلي ومنه التبر والمغشوشة الرائجة (^٥)، وفي شرح البهجة تصح الشركة بالمغشوشة إن استمر رواجها (^٦).
وقال الحنابلة: النُقرة والمغشوش الحكم فيها كالحكم في العروض (^٧). والظاهر أن التبر مثلها لاتحاد العلة.
_________________
(١) المغني ٥/ ١٤، مواهب الجليل ٥/ ١٢٣ - ١٢٤، فتح القدير ٥/ ٦.
(٢) التبر «هو الذهب والفضة المستخرجان من معدنهما ولم يسكا بعد» النقرة: «بضم النون سبيكة الفضة وهي التي تضرب». المغشوش: جاء في المطلع على أبواب المقنع، ص ١٣٥، المغشوش: «ما خلط بما يردئه» أ هـ، كأن يخلط النحاس بالذهب، ويخلط النيكل بالفضة.
(٣) المبسوط ١١/ ١٥٩، شرح المجلة لعلي حيدر ٣/ ٣٧٣.
(٤) فتح العزيز ١٠/ ٤٠٧.
(٥) تحفة المحتاج ٥/ ٧، حاشية البجيرمي ٢/ ٤٦٢.
(٦) شرح البهجة ٣/ ١٦٨، مغني المحتاج ٢/ ١٧.
(٧) المغني ٥/ ١٥.
[ ٥٧ ]