أجمع الفقهاء على جواز هذا النوع من الشركة، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض شروطها، وما حصل فيها من خلاف مما يتصل بالأركان أو الشروط بيناه في محله.
وشركة العنان كغيرها من الشركات الأخرى يمكن أن تكون مطلقة، أو مقيدة، فيمكن الاتفاق على الاتجار في نوع مخصوص من التجارات، كالحبوب أو القماش، ويمكن أن يطلق عند عقدها على الاتجار في كل ما يرونه مناسبًا.
أما المالكية فلا تكون شركة العنان عندهم إلاّ مقيدة، ولكن تعددت تفسيراتهم لتقييدها، فمنهم من قال هي الشركة في نوع من التجارات، كالقماش، ومنهم من قال هي الشركة في شيء بعينه يعني كثوب واحد أو دابة واحدة (^٢).
ويرى جمهور الفقهاء أنه يمكن تقييدها من حيث الزمن، فقد تكون شركة موسمية بمناسبة حصاد الحبوب، أو جذاذ التمور، أو موسم الحج، ويمكن تحديدها بسنة أو نحو ذلك، ويمكن إطلاقها بدون تقييد (^٣).
وتتضمن شركة العنان كغيرها من الشركات عند جميع الفقهاء الوكالة ما عدا المالكية، وتتضمن الأمانة، لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه، وبإذنه له في التصرف وكله، فكل شريك هو كيل عن صاحبه، فيما يباشره من تصرف في رأس مالها، مما يعد من أعمال التجارة، لا فيما يخرج عن ذلك، وذلك في حدود ما تضمنه عقدها من شروط، وما قيدت به من قيود صحيحة تم الاتفاق عليها بين الشركاء.
_________________
(١) سبق بيان ذلك ومراجعه في الباب الأول.
(٢) مواهب الجليل ٥/ ١٣٤.
(٣) القول في توقيت الشركة وآراء العلماء فيه يأتي في الفصل الثالث من هذا الباب.
[ ١١٨ ]
أما المالكية فيشترطون في شركة العنان نفي الاستبداد، بمعنى ألا يستبد أحد من الشركاء بالتصرف دون الآخر، فكل واحد من الشركاء يتوقف تصرفه على إذن الآخر، فإن تصرف أحدهما بلا إذن فللثاني رده، لأنها مأخوذة من عنان الدابة، كأن كل واحد منهما أخذ بعنان صاحبه، أي بناصيته، فلا يفعل فعلًا إلاّ بإذنه (^١).
فإن شرط نفي الاستبداد من أحدهما فقط فهي صحيحة وتكون مطلقة من جهة، وقال بعضهم: تكون فاسدة، لأن الشركة يقتصر فيها على ما ورد، وهذا هو الظاهر عند بعض فقهاء المالكية (^٢).
وبهذا فالوكالة عند المالكية في شركة العنان وكالة في شيء خاص.
وكل شريك أمين في مال الشركة فهو مصدق فيما يدعيه من تلف في المال، أو خسارة فيه، وفيما يدعي أنه اشتراه لنفسه أو للشركة، لأن الاختلاف ههنا في نيته، وهو أعلم بما نواه، لا يطلع على ذلك أحد سواه إلاّ الله، ولأنه أمين في الشراء فكان القول قوله كالوكيل (^٣).