شركة الوجوه جائزة عند الحنابلة والحنفية (^٣).
لكن صورتها عند المذهبين تلتقي في جانب وتختلف في جانب، فصورتها عند الحنابلة هي كما جاء في التعريف السابق.
أما الحنفية فالشركات عندهم إما أن تكون عنانًا أو مفاوضة، فإن كانت عنانًا فهي بمال حاضر، أو بالجاه، أو العمل، وكذلك إن كانت مفاوضة فهي إما بالمال، أو بالجاه، أو بالعمل (^٤). فإن كانت شركة وجوه منبثقة من العنان فهي كما هي عند الحنابلة، وإن كانت شركة وجوه تأخذ شكل المفاوضة عند الحنفية فتطبق عليها
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ٥٢٦.
(٢) الشركات للخفيف ص ٩٧.
(٣) كشاف القناع ٣/ ٥٢٦، فتح القدير ٥/ ٣٠.
(٤) الكلام في الشركة لأعمال - سيأتي في الفصل التالي.
[ ١٢٥ ]
أوصاف وشروط المفاوضة التي سبق بيانها في المبحث الأول من هذا الفصل، إلاّ أنه ليس لها رأس مال حاضر عند العقد، وإنما يشتركون فيما يحصلون عليه بجاهم.
أما المالكية والشافعية فهي غير جائزة عندهم بالصورة التي أجازها الحنفية والحنابلة.
والصورة التي قال المالكية بعدم جوازها هي: ما إذا تعاقدا على أن يشتريا شيئًا غير معين بلا مال ينقدانه، يعني على اشتراء شيء بدين في ذمتهما على أن كلًا حميل عن الآخر، ثم يبيعانه وما حصل من ربح فبينهما، وقالوا إنما فسدت لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وهو ضمان بجعل، وأسلفني وأسلفك، وهو سلف جر منفعة (^١).
وهذه الشركة فاسدة عندهم، ويسمونها شركة الذمم.
والصورة التي قال الشافعية بعدم جوازها هي ما إذا عقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، وهي عندهم شركة باطله (^٢)، وهناك صورة أجازها المالكية، وصورة أخرى أجازها الشافعية.
فالصورة التي أجازها المالكية، هي ما إذا «دخلا على شراء شيء معين وتساويا في التحمل، وهو بينهما إذا وقع على ما تعاقدا عليه من تساو أو غيره» (^٣)
والصورة الجائزة عند الشافعية هي: «ما إذا وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما، واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه، ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه، دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه، فإذا بيع قسم الثمن بينهما» (^٤).
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٢) المجموع ١٣/ ٥١٨.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧، المدونة ٥/ ١٢/ ١٤، التاج والإكليل ٥/ ١٣٤.
(٤) المجموع ١٣/ ٥١٨، مغني المحتاج ٢/ ٢١٢ بتصرف.
[ ١٢٦ ]
مدار الخلاف بين المانعين والمجيزين:
هو أن المانعين وهم المالكية والشافعية يشترطون أن يكون ما سيشترى بالنسيئة معلومًا، كما أن المالكية ينصون على أن يقوم الشريكان بعقد الشراء جميعًا، أما الشافعية فإنهم يجيزونها إذا وكل أحدهما الآخر، ونوى المشتري الشراء لهما (^١)، ولم يسموا هذه الصورة المستثناة شركة وجوه باصطلاحهم.
أما الحنابلة والحنفية فلا يشترطون أن يتم الاتفاق على شراء شيء معين، وإنما يصح الاتفاق على ما سيشترى بدون تحديد، كما أنهم لا يشترطون أن يكون الشراء منهما جميعًا وإنما يصح من أحدهما، وبدون توكيل في شيء معين.
الأدلة:
استدل من أجاز شركة الوجوه بما يأتي:
١ - إنها تشتمل على شراء بالنسيئة، وتوكيل كل شريك صاحبه في البيع والشراء وكل منهما مشروع، والمصلحة تقتضيها، وليس فيها مفسدة (^٢)
٢ - واستدل الحنفية على جوازها «بأن الناس يتعاملون بها في سائر الأمصار من غير إنكار من أحد، وهو إجماع (سكوتي)» (^٣).
وقد استدل المالكية على النوع الذي أجازوه من هذه الشركة «بعمل الماضين من السلف، وإن كانت علة المنع وهي الضمان بجعل والسلف بمنفعة موجودة» (^٤).
_________________
(١) ذكر الخياط في كتابه الشركات ٢/ ٤٦ وما بعدها، والشيخ علي الخفيف في كتابه الشركات ص ٩٧ أن مذهب المالكية والشافعية لا يجيز شركة الوجوه مطلقًا، وأوردا أدلة تفيد المنع بالكلية، والذي أود التأكيد عليه هو أن المنع ليس على إطلاقه، وبالتالي فإن سوق الأدلة على المنع والرد عليها فيه نظر كما بينا في الصورة الجائزة عند المذهبين، انظر مصادر المذهبين في الصفحة السابقة.
(٢) كشاف القناع ٣/ ٥٢٦.
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٥٧.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٧.
[ ١٢٧ ]
واستدل الشافعية على النوع الذي أجازوه من هذه الشركة: «بأنها بدل مالهما» (^١). الذي ثبت في الذمة.
واستدل المالكية على الصورة التي منعوها بما يأتي:
١ - إنما فسدت لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك وهو الضمان بجعل وأسلفني وأسلفك وهو سلف جر منفعة (^٢).
٢ - أن الشركة إنما تعقد على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان، مع ما في ذلك من الغرر، لأن كل واحد منهما عارض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص (^٣).
واستدل الشافعية على الصورة التي منعوها بما يأتي:
أ- بأن المال المشترك في عقد الشركة الذي يرجع إليه عند انفساخ العقد مفقود فيها، فلهذا لا تصح هذه الشركة (^٤).
ب- ولأن كل ما يشتريه كل واحد منهما ملك له يتفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه (^٥).
مناقشة الأدلة:
قول المالكية فيما أبطلوه من هذه الشركة أنه من باب تحمل عني وأتحمل عنك وهو ضمان بجعل غير مسلم، فكل ما تقضيه هذه الشركة هو التضامن بين
_________________
(١) المجموع ١٣/ ٥١٨.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٣) بداية المجتهد ٢/ ٢١١.
(٤) مغني المحتاج ٢/ ٢١٢.
(٥) المجموع ١٣/ ٥١٨.
[ ١٢٨ ]
الشريكين في ثمن ما يشتريانه، وهو تعاون مشروع لا شيء فيه، وليس من باب الضمان بجعل، فكل منهما له ربحه على ما شرطا لا يأخذ من ربح شريكه شيئًا، وعليه خسارته وحده، وقولهم إنها من باب أسلفني وأسلفك وهو سلف جر نفعًا غير مسلم أيضًا، لأن أحدهما إذا دفع ثمن ما اشترياه فهو بحكم التضامن الذي اتفقا عليه في العقد، لا من باب أسلفني وأسلفك، ويوضح ضعف دليلهم أنهم أباحوا ما إذا كان المشترى معينًا، وهذا شامل له، فدليلهم ضعيف لعدم الاضطراد.
وقولهم إن الشركة إنما تعقد على المال أو على العمل وكلاهما معدومان، يجاب عنه بأن الفقهاء لم يتشرطوا حضور رأس المال في هذه الشركة، لتعامل المسلمين بها من غير نكير، فالشركاء عقدوا على مال هو ما سيشترى بالنسيئة، لأنه محل الشركة والربح.
ويناقش هذا الدليل بأن المالكية أجازوا شركة الأعمال مع أن العمل يأتي بعد العقد، ومثله العمل في شركة الوجوه.
وقولهم العمل معدوم فيها غير دقيق، فهي لا تخلو من العمل؛ إذ إن عملية البيع والشراء تعد عملًا.
ويرد على الشافعية في منعهم لشركة الوجوه بعدم وجود المال المشترك الذي يرجع إليه عند انفساخ العقد، بأنه ليس من شرطها أن يكون هناك مال حاضر عند العقد لما قدمنا، والمعول عليه عند الانفساخ هو إعطاء كل ذي حق حقه من الشركاء حسب ما اتفقوا عليه.
[ ١٢٩ ]
الترجيح:
بعد استعراض الأدلة ومناقشتها يترجح جواز شركة الوجوه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، لأن الشريكين في شركة الوجوه يأخذان بضاعة بالدين، ويتفقان على بيعها، وعلى اقتسام ما ينتج عنها من أرباح أو خسائر، فما الذي يمنع من جوازها؟
وكما أنه يمكن لشخص أن يأخذ بضائع من التجار بالدين ويبيعها فإنه يمكن أن يشاركه فيها شخص آخر.
كما أن فيها فتحًا لباب التجارة والربح أمام من لا مال له، ولأن الأصل في العقود الإباحة، ما لم يدل دليل على التحريم ولم يوجد ذلك.
[ ١٣٠ ]