اتفق جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة على جواز هذا النوع من الشركة في الجملة، واختلفوا في بعض صورها وفي بعض شروطها.
وذهب الشافعي وابن حزم الظاهري إلى عدم جواز شركة الأبدان.
أدلة الفريقين:
استدل الجمهور القائلون بجواز شركة الأبدان بما رواه أبو داود عن أبي عبيدة عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء (^١).
وهذا الحديث صريح في الدلالة على جواز شركة الأبدان، ومثله لا يخفى على رسول الله ﷺ.
واستدل الأحناف على جوازها بتعامل الناس بشركة الأبدان في سائر الأمصار من غير إنكار من أحد عليهم (^٢)، وهو إجماع سكوتي متكرر الوقوع.
أدلة المانعين:
استدل المانعون لشركة الأبدان بما يلي:
١ - ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».
«وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى فيكون باطلًا» (^٣).
٢ - ولأن عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله (^٤).
_________________
(١) سنن أبي داود ٣/ ٣٤٩.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٥٩.
(٣) المجموع ١٣/ ٥١٥.
(٤) المصدر السابق.
[ ١٣٤ ]
ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ البقرة: ٢٨٦، فتختص كل نفس بكسبها، وهذا كله عموم في الدنيا والآخرة (^١)
٣ - ولما فيها من الغرر؛ إذ لا يدري إن كان صاحبه يكسب أم لا (^٢).
مناقشة الأدلة:
الرد على أدلة المجيزين: رد الشافعية والظاهرية على أدلة الجمهور بما يأتي:
١ - حديث أبي داود فيه انقطاع، لأن أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئًا فهو حديث مرسل (^٣). قال ابن حزم: «روينا من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: أتذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا» (^٤).
٢ - لو صح هذا الحديث لكان أعظم حجة، [يعني أعظم حجة لهم بعدم جواز شركة الأبدان]، لأنه لا يجوز أن ينفرد أحد من العسكر بما يصيب دون جميع العسكر (^٥).
٣ - إن هذه الشركة لم تتم، ولا حصل لسعد ولا لعمار ولا لابن مسعود من ذينك الأسرين شيء، لأن حكم توزيع الغنائم نزل في نهاية معركة بدر (^٦).
الجواب على الرد:
١ - الحديث المرسل حجة عند جمهور الفقهاء، إذا كان المرسل ثقة، ولا يمنع العمل به إلاّ الإمام الشافعي ﵀ مع أنه يقبل بعض المراسيل بشروط،
_________________
(١) المحلى ٨/ ٥٤٢.
(٢) حاشية الشرواني ٥/ ٣.
(٣) المحلى ٨/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المحلى ٨/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
(٦) المصدر السابق.
[ ١٣٥ ]
ويمنع العمل به أيضًا الظاهرية، والمرسل في هذا الحديث هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال ابن حجر: «كوفي ثقة من كبار الطبقة الثالثة» (^١)، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار.
٢ - القول بأنه لا يجوز أن ينفرد أحد من العسكر بشيء صحيح، ولكن هذا الحكم بعد نزول حكم الغنائم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الأنفال: ١، أما قبل ذلك فقد كان جائزًا، كما حصل بين سعد وعمار وابن مسعود، والحديث كان قبل نزول حكم الغنائم.
٣ - القول بأنها شركة لم تتم صحيح، ولكنه لا يدل على عدم جواز شركة الأبدان، فالمنسوخ من الحديث هو اشتراكهم فيما غنموا في الحرب، أما أصل الاشتراك في عمل مباح فدلالة الحديث باقية عليه.
الرد على أدلة المانعين:
قولهم: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، المراد بكتاب الله حكم الله (^٢)، وقد جاء في حكم الله جواز شركة الأبدان؛ حيث فهم من حديث ابن مسعود كما قدمنا، ولأن الأصل في التصرفات المالية الحل ما لم ينص على تحريمها، أو تتضمن محرمًا.
وقولهم: عمل كل واحد منهما ملك له يختص به، فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله، يقال لهم كذلك مال كل منهما ملك له يختص به مثل عمله، فلماذا أجزتم المشاركة في المال ومنعتموها في العمل؟
_________________
(١) تقريب التهذيب.
(٢) القواعد النورانية، لابن تيمية ١٨٧ ط ١.
[ ١٣٦ ]
ويقال لهم أيضًا: محل الاختصاص في المال والعمل إذا لم تكن شركة، واشتراكهما في كسب العمل لا يعني أن أحدهما أخذ من الآخر ما كسبه، بل كل منهما أخذ من كسبهما ما يقابل عمله.
وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦) يعني من الثواب والعقاب، بدليل شرع الشركات الأخرى، فإنها لا تخلو من عمل كما في شركة العنان، أو فيها عمل من جانب كما في المضاربة.
وقولهم فيها غرر لأنه لا يدري أيكسب أم يخسر، يقال لهم كذلك في شركة العنان لا يدري أيكسب أم يخسر، مع أنكم أجزتموها.
الترجيح:
بعد مناقشة أدلة الفريقين، يترجح لي جواز شركة الأبدان، وهو رأي جمهور الفقهاء، وذلك لقوة أدلتهم، ولأنه ليس فيها مفسدة، بل فيها مصلحة، وهي توسيع لأبواب الاكتساب للذين ليست لهم أموال، ولأن العمل أحد جهتي المضاربة وهي جائزة اتفاقًا، فجاز أن تعقد عليه الشركة هنا كما في المضاربة.
ومن صور هذه الشركة ما لو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل صحت الشركة، جعلًا لضمان المتقبل كالمال (^١)، فلو اتفق مالك المصنع مع مهندس على أن يتقبل المالك الأعمال ويسلمها المهندس ليصلح عملها وقيمة العمل بينهما بالنصف أو نحو ذلك فهو جائز، لأن التقبل من صاحب المصنع عمل، وجعلًا لضمانه كالمال.
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ٥٢٧، فتح القدير ٥/ ٢٢.
[ ١٣٧ ]
وقد اشترط المالكية في شركة الأعمال اتحاد الصنعة، كاشتراك حدادين، أو التلازم بين صنعتين أو أكثر عرفًا، كأن يشترك نساج وغزال، أو قصار وخياط، فإن اختلفت الصنعة كحداد ونجار فلا تجوز الشركة عندهم (^١).
أما اتحاد المكان فقد اختلف فقهاء المالكية في اشتراطه، فاشترط بعضهم اتحاد المكان، كأن يكونا في حانوت واحد، فإذا اختلف المكان لم تجز الشركة (^٢).
وذهب بعضهم إلى عدم اشتراط ذلك (^٣).
ولم يشترط الحنابلة والحنفية أيًا من هذه الشروط، فتجوز عند اتحاد الصنعة، وعند اختلافها، ولا يشترط فيها التلازم، ولا اتحاد المكان (^٤).
وقد قسم الحنفية شركة الأعمال إلى قسمين:
١ - شركة مفاوضة: وهي أن يشترك العاملان في تقبل الأعمال، ولا يشترط اتحاد صنعتهم، ويكون كل منهما كفيلًا لصاحبه في ضمان العمل، وكل ما يلزم أحدهما من حقوق يلزم الآخر، ويتساويان في الأجر والدين، ويشترط أن يراعى لفظ المفاوضة أو معناها حين العقد (^٥).
٢ - شركة عنان: ولا يشترط فيها عند الحنفية ما يشترط في شركة المفاوضة عندهم من أهلية الكفالة والتساوي في الأجر، وإنما يشترط لها أهلية الوكالة فقط (^٦)، وقد مضى الكلام على شركة المفاوضة عند الحنفية.
أما الحنابلة والمالكية فلا يقولون بهذا التقسيم.
_________________
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ٣٢٥.
(٢) المدونة ٥/ ١٢/ ٤٢.
(٣) المصدر السابق، والشرح الكبير للدردير ٣/ ٣٢٤، الرهوني على الزرقاني ٦/ ٦٣.
(٤) كشاف القناع ٣/ ٥٢٧.
(٥) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، لعلي حيدر.
(٦) بدائع الصنائع ٦/ ٦٣.
[ ١٣٨ ]