إذا كانت أموال الشركة كلها من النقود فيتسلم كل من الشركاء رأس ماله ونصيبه من الأرباح.
وإذا كانت أموال الشركة قد أصبحت عروض تجارة من عقار أو منقول، أو غيرهما من العروض، فإن اتفق الشركاء على بيع العرض أو قسمه جاز ما اتفقوا عليه، لأن الحق لهم لا يعدوهم، وهذا في جميع أنواع الشركات باتفاق الفقهاء (^٣).
وإن طلب أحد الشريكين البيع، وطلب الآخر القسمة، فلا تخلو الشركة إما أن تكون شركة مضاربة، أو غير مضاربة.
فإن كانت الشركة مضاربة وقد عمل المضارب وطلب أحدهما البيع وطلب الآخر القسمة، أجيب طالب البيع، فيستمر المضارب ببيع ممتلكاتها وتحويلها إلى نقود، ويحق له الانتظار إلى أوان أسواق السلع (^٤)، «وذكر القاضي وابن عقيل: أن المضارب لا ينعزل ما دام عرضًا، بل يملك التصرف حتى ينض رأس المال، وأن هذا ظاهر كلام الإمام أحمد، وصرح ابن عقيل أن العامل لا يملك الفسخ حتى
_________________
(١) المغني ٥/ ٢١.
(٢) المجموع ١٣/ ٥٣٢.
(٣) المغني ٥/ ٢١، المجموع ١٤/ ٢١٦، نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار ٧/ ٧٧، بدائع الصنائع ٦/ ١١٢، المدونة ٥/ ١٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٧٨، الإنصاف ٥/ ٤٤٩.
[ ١٨٠ ]
ينض رأس المال، مراعاة لحق مالكه» (^١)، ولكن ليس له الشراء أو المعاوضة بسلعة أخرى، وهذا باتفاق الفقهاء (^٢) ما عدا ابن حزم حيث قال: يجب أن يبيع السلع معجلًا - ربح أو خسر- ولا ينتظر إلى وقت رواج السلع (^٣).
وفي المدونة للإمام مالك «وإن كان المقارض قد اشترى بالمال، أو تجهز بالمال يخرج به إلى سفر فليس لرب المال أن يرده. قال سحنون أرأيت إن اشترى العامل بالمال سلعة فنهيته عن العمل في القراض بعد ما اشترى فقلت له أردد علي مالي أيكون لي أن أجبره على بيع ما بقي في يده من السلع (قال ابن القاسم) ليس لك ذلك عند مالك، ولكن ينظر فيما في يديه من السلع فإن رأى السلطان وجه بيع باع، وإن لم ير وجه بيع أخر السلع حتى يرى وجه بيع، (قلت) (يعني سحنون) وما الذي تؤخر له السلع (قال) (قال ابن القاسم) السلع لها أسواق تشترى إليها في إبان شرائها وتحبس إلى إبان أسواقها فتباع في ذلك الإبان، مثل الضحايا تشترى قرب أيام النحر فيرفعها إلى أيام النحر رجاء نفاقها».
وقد زاد المالكية على ما تقدم أنه إذا كان المضارب قد تجهز للسفر، للتجارة وتزود من مال المضاربة ولم ويضعن في السير، فليس لرب المال أن يرده، وليس للمضارب الفسخ، أما إن تزود من مال نفسه فله الفسخ، وليس لرب المال فسخه، إلاّ إذا دفع له عوضه (^٤).
والذي يرجحه الباحث هو البيع مع الانتظار إلى وقت أسواق السلع، وتتعذر القسمة لأن نصيب المضارب في الربح، إلاّ إذا اتفق الطرفان على تقويم السلع وأخذ المضارب ما يقابل نصيبه منها.
_________________
(١) الإنصاف ٥/ ٤٤٩.
(٢) المغني ٥/ ٢١، المجموع ١٤/ ٢١٦، بدائع الصنائع ٦/ ١١٢، المدونة ٥/ ١٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٣) المحلى ٩/ ١١٩.
(٤) المدونة ٥/ ١٢/ ١٢٨ - ١٢٩، حاشية الدسوقي ٣/ ٤٣٩ نشر دار الفكر.
[ ١٨١ ]
أما إن كانت الشركة شركة عنان أو وجوه أو أبدان أو مفاوضة وفسخ أحدهما العقد، فطلب أحدهما القسم وطلب الآخر البيع، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى رأيين:
الرأي الأول: يجاب طالب البيع، فتستمر الشركة ببيع العروض وتحويلها إلى نقود، ثم يقسمان النقود قياسًا على المضاربة، وهذا الرأي المشهور عند المالكية، وأحد القولين في مذهب الحنفية والحنابلة، قال القاضي أبو يعلى: إن هذا ظاهر كلام الإمام أحمد (^١).
الرأي الثاني: يجب قسم العروض بين الشركاء، ولا يلزم الانتظار إلى بيعها، وهذا مذهب الشافعية وأحد قولين في مذهب الحنفية والحنابلة، وبعض فقهاء المالكية (^٢)، وقالوا: يقسم كالمال الموروث.
وقد رد أصحاب هذا الرأي على استدلال أصحاب الرأي الأول بالقياس على المضاربة، فقالوا: إن حق العامل في الربح، ولا يظهر الربح إلاّ بالبيع، فاستحقه العامل، لتوقف حصوله عليه، وفي مسألتنا ما حصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع، فلم يجبر على البيع (^٣).
والذي يراه الباحث هو أنه إذا فسخ أحد الشريكين الشركة، وأموالها عروض، وطلب أحدهما القسم، وطلب الاخر البيع ينظر للأصلح من الأمرين، وهو غالبًا البيع؛ إذ يصل إلى كل واحد منهما ماله نقدًا، فيسهل عليه أن يتصرف بكافة التصرفات.
_________________
(١) حاشية الرهوني ٥/ ٣٨، المغني ٥/ ٢١، فتح القدير ٥/ ٣٤.
(٢) المجموع ١٣/ ٢٣٢، المغني ٥/ ٢١، فتح القدير ٥/ ٣٤.
(٣) المغني ٥/ ٢١.
[ ١٨٢ ]