إذا لم يتعلق بحصة الشريك المتوفى في الشركة وصية أو دين، ورغب الورثة الراشدون، أو ولي القصر، أو الموصى له إن كان معينًا في الاستمرار في الشركة مكان المتوفى فلهم ذلك، إذا قبل الشركاء الآخرون وهذا باتفاق الفقهاء (^١). فيما عدا شركة المضاربة عند الحنفية.
وقال الحنفية إذا توفي أحد الشركاء وهم ثلاثة فأكثر تنفسخ الشركة في حقه وتبقى قائمة في حق الباقين.
وقال الشيرازي: (وإن كان الوارث مولى عليه كان النظر فيه إلى وليه، فإن كان الحظ في الشركة لم يجز له أن يقاسمه، وإن كان الحظ في القسمة لم يجز له أن يقيم على الشركة … وسواء إن كان المال نقدًا أو عرضًا فإن الشركة تجوز، لأن الشركة إنما لا تجوز ابتداءً على العروض، وهذا استدامه للشركة وليس بابتداء عقد (^٢).
بقاء الورثة هل هو إتمام للشركة أم ابتداء لها؟
الكلام هنا في موضعين:
أولًا: الشركات غير شركة المضاربة:
قال الحنابلة والشافعية: بقاء الورثة في الشركة مكان مورثهم هو إتمام للشركة وليس بابتداء لها (^٣)، فلا تعتبر شروط الشركة من حضور المال، وكونه نقدًا
_________________
(١) المجموع ١٣/ ٥٣٣، المغني ٥/ ٢١، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٨، كشاف القناع ٣/ ٥٠٦، المجموع ١٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣، تحفة المحتاج ٥/ ١٢، مغني المحتاج ٢/ ٢١٥.
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٨.
(٣) المجموع ١٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤، المغني ٥/ ٢١.
(٤) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٨ ط ونشر دار عالم الكتب.
[ ١٨٤ ]
مضروبًا، وبيان الربح ونحو ذلك مما تقدم، بل يكتفى بما سبق من توافرها عند ابتداء الشركة بين الشركاء قبل الوفاة.
ثانيًا: شركة المضاربة:
أما المضاربة فلا تخلو من أن يكون مال الشركة بعد الوفاة نقودًا أو عروضًا.
أ- فإن كان نقودًا: وأراد الحي منهما استمرار المضاربة مع ورثة الميت جاز ذلك، سواء كان المتوفى رب المال أم المضارب، ويكون رأس المال هو رأس المال الأول مع حصة رب المال من الربح، أما حصة العامل من الربح فهي شركة له مشاعة، وهذه الإشاعة لا تمنع صحة العقد، لأن الشريك هو العامل، وذلك لا يمنع التصرف، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية (^١)، وهو هنا ابتداء قراض جديد بدليل اعتبار حصة العامل شركة له يختص بها (^٢).
ويرجح الباحث جواز ذلك، لأنه يجوز أن تتكون الشركة من عنان ومضاربة (^٣).
ب- إذا كان المال عروضًا:
فأما أن يكون المتوفى رب المال، أو المضارب.
١ - فإن كان المتوفى رب المال: وأراد ورثته استمرار المضارب في المضاربة بالبيع والشراء، وجميع تصرفات التجارة قبل تنضيضها، فيجوز ذلك عند المالكية والحنابلة، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وهو إتمام للقراض لا ابتداء له (^٤).
_________________
(١) كشاف القناع ٣/ ٥٢٢، تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٧، المنتقى ٥/ ١٧٤ - ١٧٥ جاء في المنتقى لا يبطل عقد القراض بوفاة رب المال وإن كان المال ناضًا ولكن يبقى ما أراد الورثة بقاءه.
(٢) المغني ٥/ ٥٥.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المغني ٥/ ٥٥، المنتقى ٥/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ١٨٥ ]
والصحيح من مذهب الشافعي وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: أنه لا يجوز ذلك (^١).
وقال الشيرازي من الشافعية: (وسواء كان المال نقودًا أو عروضًا، فإن الشركة تجوز، لأن الشركة إنما لم تجز ابتداءً على العروض، وهذا استدامة للشركة وليس بابتداء عقد) (^٢).
وما جاء في الرسالة من أنه إذا مات رب المال وكان المال عروضًا وأرادوا إتمام العقد جاز هو ما ذكره صاحب المغني ونقله عن أحمد، وفي كشاف القناع أنه لا يجوز (^٣)، وقد ذكره ابن قدامة على أنه اختيار القاضي، فكأن صاحب الكشاف رجح رأي القاضي.
أدلة الفريقين:
استدل القائلون بالجواز: بأن هذا إتمام للقراض لا ابتداء له، ولأن العروض إنما منعت في المضاربة لأنه يحتاج عند المفاصلة إلى رد مثلها، أو قيمتها، وهذا غير موجود ههنا، لأن رأس المال الذي انعقد عليه العقد غير العروض وحكمه باق، بدليل أن حق العامل عند عدم استمرار المضاربة أن يبيع العروض ليسلم رأس المال وحصته من الربح لرب المال (^٤).
واستدل المانعون وهم الشافعية وأبو يعلى: بأنه لا يجوز ذلك لأنه ابتداء قراض، وهو لا يصح على العروض، ولأن القراض قد بطل بالموت (^٥).
_________________
(١) المجموع ١٤/ ٢١٧، تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٧، كشاف القناع ٣/ ٥٠٦.
(٢) المجموع ١٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤.
(٣) / ٥٢٢.
(٤) المغني ٥/ ٥٥.
(٥) تحفة المحتاج ٥/ ٢٥٧.
[ ١٨٦ ]
قال ابن قدامة: «وهذا الوجه أقيس، لأن المال لو كان ناضًا كان ابتداء قراض» (^١).
ويلاحظ على الشافعية أنهم منعوا استمرار شركة المضاربة إذا كان المال أو بعضه عروضًا، بحجة أن المضاربة لا تصح بالعروض، مع أنهم جوزوا الاستمرار في أنواع الشركات الأخرى وإن كان مالها عروضًا، وقولهم إن القراض قد بطل بالموت، يرد عليه -كما هو ظاهر كلام الحنابلة- بأنه بطلان ليس باتًا بل موقوف على رضى وارث رب المال، فإن أراد بقاء العقد فإنه يستمر بالانعقاد الأول. بدليل قولهم إن رأس المال هو ما عقد عليه أولًا، لا العروض الموجودة حال الموت
٢ - ما إذا كان المتوفى هو العامل: وأراد رب المال ابتداء القراض مع الوارث أو وليه إذا كان المال ناضًا جاز، كما في حال إذا مات رب المال وذلك باتفاق الفقهاء (^٢)، وإن كان المال عروضًا لم يجز عند الشافعية والحنابلة، لأن القراض لا يجوز على العروض (^٣). وقال الحنابلة إلاّ بأن تقوم العروض ويجعل رأس المال قيمتها يوم العقد الجديد، لأن الذي كان منه العمل قد مات، وذهب عمله، ولم يخلف أصلًا يبني عليه وارثه، بخلاف ما إذا مات رب المال، فإن المال المقارض عليه موجود، فأمكن استدامة العقد، وبناء الوارث عليه.
وقال المالكية: يجوز تقرير ورثة العامل على العروض إذا مات قبل نضوض المال. بل قالوا: إذا لم يكمل الورثة ما بدأه مورثهم فلا ربح لهم، وعليهم دفع المال وربحه لربه (^٤).
_________________
(١) المغني ٥/ ٥٥.
(٢) المغني ٥/ ٥٦، انظر الشركة بقيمة العروض في الفصل الثاني من الباب الأول.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) الخرشي على خليل ٦/ ٢٢٣
[ ١٨٧ ]
والذي يظهر هو أن القول باستدامة الشركة مع ورثة المتوفى هو الأقرب للصواب، فهذه حالة دعت إليها المصلحة، واقتضى التيسير على الناس أن يعطى لها حكم خاص، وهو استمرار الشركة المنقضية على أي اعتبار فسرناها، سواء كان بابتداء عقد جديد مع استمرار الأوضاع السابقة فيما إذا كان المال نقودًا، أو كان باستمرار العقد القديم كما يقول الحنابلة والمالكية فيما إذا كان المال عروضًا، ويعتبر البقاء في هذه الحالة استحسانًا لمصلحة الشركاء، ومن القواعد الفقهية (يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء)، لا سيما إذا كان الشرط المفقود لا تترتب على عدمه مفسدة، بل الواقع أن الذي يترتب هو المصلحة وتيسر المعاملات بين الناس.
ولا فرق في هذا الاستمرار بين أن يكون المتوفى شريكًا في رأس المال، أم هو رب المال في شركة المضاربة، وسواءً كانت أموال الشركة بعد الوفاة نقودًا أم عروضا على التفصيل السابق.
أما إذا كان المتوفى هو المضارب فإن الاستمرار متعذر لأن الأوضاع تختلف بين حال حياته وما بعد موته؛ إذ تخلفه ورثته فيما ترك من المال، لا في وظيفته في المضاربة، ولو عمل أحدهم فإن الربح يكون له خاصة، لأن العامل يستحق ربح ما عمل.