الحولِ وبعدَه.
وبقوله - ﷺ - في الطاعون: "إذا وَقَعَ بأرضٍ وأَنْتُم بها فلا تَخْرجوا فِرارًا منه" (^١)، فإذا كان قد نهى عن الفرار من قَدَر اللهِ - سبحانه - إذا نزل بالعبد؛ رضًى بقضاء الله وتسليمًا لحكمه؛ فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد؟!.
وبأنه - ﷺ - نَهَى عن بَيعْ فَضْل الماء؛ ليمنع به الكلأ (^٢).
فعُلِمَ أن الشيء الذي هو في نفسِه غير مقصودٍ إذا قُصِد به أمرٌ محرَّم صار محرَّمًا.
فإن قيل: ما ذكرتموه معارَضٌ بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾ [ص: ٤٤]، فهذا قد أذن الله لأيوب أنْ يضرب بالضِّغْثِ، وكان يلزمه أن يضرب ضرباتٍ متفرِّقة، وهذا نوعٌ من الحيلة؟.
قلنا أوَّلًا:
ليس هذا مما نحن فيه، فإن الفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا عند الإطلاق على قولين:
أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعًا أو مفرَّقًا،
_________________
(١) في كتاب الحيل - أيضًا - باب ما يُكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون، رقم (٦٩٧٣).
(٢) كتاب الحيل، باب ما يُكره من الاحتيال في البيوع، ولا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، رقم (٦٧١٧).
[ ١٢٤ ]
فعلى هذا يكون هذا موجب اللفظ عند الإطلاق، والحيلة: صرف اللفظ عن موجبه.
الثاني: أنَّ موجبه الضرب المفرَّق، وهذا موجب شرعنا، فلا يُستدل بشرع من قبلنا؛ لأن شرْعَنا وَرَد بخلافه.
وقلنا ثانيًا:
من تأمَّل الآية علم أن هذه الفُتيا خاصة الحكم، فإنها لو كانت عامةً لم يَخْفَ على نبيٍّ كريم موجبُ يمينه، ولم يكن في اقْتِصاصها علينا كبير عبرة، فإنه إنما يُقَصُّ ما خرج عن نظائره ليُعْتَبَر به.
وأيضًا: قال عقيبها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤]، فخرجت هذه الجملة مخرج التعليل، فعُلِم أنَّ اللهَ جازاه على صبره تخفيفًا عنه ورحمةً به، لا أن هذا موجب هذه اليمين.
وقلنا ثالثًا:
معلوم أنَّ اللهَ إنما أفتاه بهذا؛ لئلا يحنث، كما أخبر الله، وكما نقله أهلُ التفسير، وهذا يدلُّ على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعةً في تلك الشريعة، بل ليس إلا البر أو الحنث، كنذر التبرُّر في شرعنا.
وكان أبو بكر لا يحنث في يمينه حتى [أنزل] الله كفارة الأيمان (^١)، فعُلِم أنها لم تكن مشروعة، فصار كأنه قد (١٦٨/ أ) نَذَر
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٦١٤) عن عائشة بنت الصديق أبي بكر - ﵄ -.
[ ١٢٥ ]
ضربها، وهذا نذرٌ لا يجب الوفاءُ به؛ لما فيه من الضرر عليها، وما وجب بالنذر يُحْتَذَى [به] حَذْو الواجب بالشرع.
[فإذا كان] يجب تفريق الضرب عند الصحة لخوف الضرر، ويُضرب بالعُثْكُول ونحوه عند المرض (^١) = جاز أن يُقام الواجب بالنذر مُقام ذلك، وقد كانت امرأته ضعيفة وكريمة على ربها، فخفَّفَ عنها الواجب بالنذر بجمع الضربات كما يُخَفَّف على المريض.
ألا ترى أنَّ السنةَ فيمن نَذَر الصدقة بماله يُجْزئه الثلث، وهذا كثير، كمن نذر أن يطوف على أربعة يُجْزئه أن يطوف أُسبوعين (^٢)، أفتى به ابن عباس (^٣)، ومن نذر ذَبْحَ ولده يجزئه شاة (^٤)، فيكون هذا من هذا الباب، والله أعلم.
ولا يحتاج في شرعنا إلى هذا، فإن من حَلَف أن يضربَ امرأته، أمكنه أن يُكَفِّر يمينه من غير احتياج إلى تخفيف الضرب، ولو نذره أجزأه كفارة يمين عند أحمد وغيره.
وقيل: لا يلزمه شيءٌ، يوضِّح ذلك: أن المُطْلَق من كلام
_________________
(١) كتب فوقها في "الأصل" علامة (×)، ولعله استشكل العبارة؛ لكن بعد زيادة "فإذا كان" فى أول العبارة زال الإشكال.
(٢) يعني: طوافين.
(٣) أخرجه عبد الرزاق: (٨/ ٤٥٧).
(٤) أفتى به ابن عباس - أيضًا - أخرجه عبد الرزاق: (٨/ ٤٦٠)، وابن أبي شيبة: (٣/ ١٠٤).
[ ١٢٦ ]
الناس محمول على (^١) ما فُسِّر به المُطْلَق من كلام الله، خصوصًا في الأيْمان، فإن الرجوع فيها إلى عُرْف الخطاب شرعًا أو عادةً أولى من الرجوع إلى أصل اللغة.
ثم إن الله - سبحانه - لما أوجب الجلدَ على الزاني والقاذف، فَهِم المسلمون من ذلك أنَّه إن كان صحيحًا وجب ضربُه متفرِّقًا (^٢)، وإن كان مريضًا مأيوسًا من بُرْئه؛ ضُرِب بعثكُوْل ونحوه.
وإن كان مرجَوَّ البُرْءِ؛ فهل يؤخَّر أو يضرب بذلك؟ على الخلاف، فكيف يقال: إنَّ من حلَفَ ليضربنَّ، يكونُ موجب يمينه الضرب المجموع مع صحة المضروب وجلده (^٣)؟ ! هذا خلاف القاعدة.
فيعلم أن قصة أيوب كان فيها معنًى يوجبُ جوازَ الجمع، وإن كان ذلك ليس موجب الإطلاق، وهو المقصود.
فإن قيل: فحديث بلال (^٤)؟ .
قلنا: قد تقدم الكلام عليه، وأنه ليس من الحيلة المحرَّمة بوجهٍ في الوجه السادس عشر (^٥)، وأن قولَه: "بِعِ التَّمْرَ "
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
(٢) "الإبطال": "مفرَّقًا".
(٣) كذا في "الأصل" و"الإبطال"، وعلّق عليه في "الأصل" بقوله: "كذا في الأصل، ولعله: المفرّق مع صحة المضروب ومرضه"، وكذا علق في (م)، ومثله إحدى نسخ "الإبطال".
(٤) انظر ص/ ٦٥.
(٥) ص/ ٨٧.
[ ١٢٧ ]
يُصرف إلى البيع الصحيح المتفق عليه، فإنَّ المطلق يَصْدُق بصورة الوفاق ولا يُحتجُّ به على صورة الخلاف، وتقدَّم الكلامُ عليه وعلى غيره من الأدلة، وفيه كفاية.
* * *
[ ١٢٨ ]