تُستوفَى إلا بالتقابض، فمتى لم يحصل التقابض كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره.
وأما قوله - ﷺ - لبلال: "بِع الجَمْعَ بالدراهم ثُمَّ ابْتَعْ بالدراهم جَنِيْبًا" (^١)، فليس فيه دلالة عَلى الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة لوجوه:
أحدها: أنه أمره أن يبيع سلعته الأولى، ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى، ومعلوم أن ذلك إنما يقتضي البيعَ الصحيح، ونحن نقول: كلُّ بيع صحيح فإنه يفيد الملك، لكن الشأن في بيوع قد دلَّت السنة على أن ظاهرها - وإن كان بيعًا - فإنها ربا، وهي بيع فاسد، ومثل هذا لا يدخل في الحديث حتى يثبت أنه بيعٌ صحيح، فلا حجَّةَ فيه على صحة صورة من صور النزاع ألبتة.
والنكتة أن يُقال: الأمر المطلق [بالبيع] إنما يقتضي الصحيح، ونحن لا نُسلِّم صحة ذلك (^٢).
الوجه الثاني: أن الحديث ليس فيه عموم؛ لأن الأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيءٍ من قيودها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص/ ٦٥ - ٦٦) والتعليق عليه.
(٢) أي: "لا نسلّم أن هذه الصورة التي تواطآ فيها على الاشتراء بالثمن من المشتري شيئًا من جنس الثمن الربوي بيع صحيح، وإنما البيع الصحيح: الاشتراء من غيره أو الاشتراء منه بعد بيعه بيعًا مقصودًا بتاتًا، لم يقصد به الشراء منه" انظر "الإبطال": (ص/ ٢٠٥).
[ ٩٨ ]
الأفراد، والقَدْر المشترك ليس هو ما تميَّزَ به كلُّ واحدٍ من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزمًا له، فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميز بحال. نعم هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عامًّا لها على سبيل البدل، فلا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو المطلوب. فقولُه: "بع هذا الثوب" لا يقتضي بيعَه لزيد ولا لعَمرو، ولا بكذا، ولا بهذه السوق؛ لكن متى أتى بالمسمَّى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود تلك القيود، وهذا لا خلاف فيه.
فليس في الحديث أن يبتاع من المشتري ولا من غيره، فلا يدل لفظُه على شيءٍ من ذلك بعينه، ولا على جميع ذلك، مطابقة ولا تَضَمُّنًا ولا التزامًا، كما لا يدل على بيعه حالًا أو مؤجلًا، ولا بثمن المثل أو غيره؛ لخروج هذه القيود عن مفهوم اللفظ، وإنما استفيد عدم الإجزاء إذا باع بدون ثمن المثل أو بغير نقد البلد من العُرْف الذي ثبت للبيع المطلق.
وكذلك ليس فيه دليل على أنه يبيعه من المشتري ولا من غيره؛ لكن إنما يُستفاد ذلك من أدلة أخرى، فما أباحته الشريعة جاز فِعْلُه، وما لا فلا.
وبهذا يظهر الجواب عن قول من يقول: لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه، فإن مقصوده - ﷺ - إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التَّمْر الجيِّد لمن عنده رديء، ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه، لكون المقصود ذكر الحكم على وجه
[ ٩٩ ]
الجملة، أو لأن المخاطَب (١٦٣/ أ) يفهم البيعَ الصحيحَ، فلا يحتاج إلى بيان. فلا يُحْتج بهذا الحديث على نَفْي شرطٍ مخصوص، كما لا يُحْتج به على نفي سائر الشروط.
الوجه الثالث: أن قوله: "بِع " إنما يُفْهم منه البيع المقصود الخالي عن شرط يمنع كونه مقصودًا، ودليل ذلك: أنه لو قال: بعتُ هذا، أو بِعْ هذا، لم يُفْهم منه بيع المكره، ولا بيع الهازل، وإنما يُفْهم البيع الذي قصد به نقل الملك، ولو قالوا: "فلان باع دارَه" لم يُفْهم منه (^١) بيع لا حقيقةَ له، فلا تدخل هذه الصورة في لفظ البيع؛ لانتفاء مسمَّى البيع المطلق.
الوجه الرابع: أنَّه - ﷺ - نهى عن بيعتين في بيعة (^٢)، ومتى تواطئا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه، فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون داخلًا في الحديث.
الوجه الخامس: أنه لو فُرِضَ أن في الحديث عمومًا لفظيًّا؛ فهو مخصوص بصور لا تُعَدُّ، فإنَّ كلَّ بيع فاسد لا يدخل فيه،
_________________
(١) في "الإبطال": (ص/ ٢٠٨ - طبعة المكتب الإسلامي) هنا زيادة "إلا" وهي خطأ، يُفْسِد معنى الكلام، وهي ليست في طبعة مكتبة لينه (ص/ ٢٩١).
(٢) أخرجه أحمد: (١١/ ٢٠٣ رقم ٦٦٢٨)، والنسائي: (٧/ ٢٩٥)، والدارقطني: (٣/ ٧٤ - ٧٥)، والبيهقي: (٥/ ٣٤٠) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده = عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -. وهو حديث صحيح بشواهده، وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود - ﵃ -.
[ ١٠٠ ]
فتضعُف دلالته. وتُخَص منه هذه الصورة - أيضًا - بما ذكرناه من الأدلة التي هي نصوص في بطلان الحِيَل، وانظر قوله: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ لَه" (^١)، فإنه عام لفظًا ومعنًى لم يُخص منه شيء ولم يعارضه نصٌّ آخر، فأيهما أولى بالتخصيص؛ هو أم قوله: "بِع الجَمْعَ بالدراهم ثم ابْتَع بها جَنِيْبًا"؟ مع أنه ليس بعامٍّ لفظًا ولَا معنًى، بل هو مطلق.
* * *
_________________
(١) انظر ما سيأتي (ص/ ١٢٩ - ١٣٠).
[ ١٠١ ]