فصلٌ (^١)
وأما الطريق الثاني في إبطال التحليل في النكاح، فهو الدلالة على عين المسألة، وذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس، والواجب تقديم أدلة الكتاب (^٢)، ولكن أدِلَّة السنة أبْيَن فتقدَّم لذلك، وفي هذه الطريق مسالك:
الأول
ما روى ابن مسعود قال: "لَعَنَ رسولُ اللهِ الواشِمَةَ والمُوْتَشِمَةَ، والواصِلَةَ والمَوْصُوْلَةَ، والمُحِلَّ والمُحَلَّلَ له، وآكِلَ الرِّبا ومُوْكِلَه" رواه أحمد والنسائي (^٣).
وروى الترمذيُّ (^٤): "لَعَنَ [اللهُ] المحلِّلَ والمُحَلَّلَ له" وحسَّنه (^٥). وقال: "عليه العمل (١٦٨/ ب) عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم: عمر وعثمان وعبد الله بن عمر، وهذا قول الفقهاء من
_________________
(١) "الإبطال": (ص/ ٢٨٥).
(٢) عند تساوي الدلالة، كما قيده شيخ الإسلام.
(٣) أخرجه أحمد: (٧/ ٣١٤ رقم ٤٢٨٣)، والنسائي: (٦/ ١٤٩)، والطبراني في "الكبير": (٩/ رقم ٩٨٧٨)، والبيهقي: (٧/ ٢٠٨). قال الحافظ في "التلخيص": (٣/ ١٩٤): "وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري". وانظر: "نصب الراية": (٣/ ٢٣٩).
(٤) رقم (١١٢٠).
(٥) في "الإبطال": "وقال: حديث حسن صحيح" وكذا في "السنن".
[ ١٢٩ ]
التابعين، ورُوِي عن علي وابن مسعود وابن عباس".
ورُوي من طرق كثيرة، وروي ما يعضده ويقويه، مثل قوله: "ألا أُنْبِئكم بالتيسِ المُسْتَعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلِّلَ والمحلَّل له" (^١) - وتكلَّمَ على طرقه وقال في آخر ذلك -: فثبتَ أَنَّه حديث حسن وإسناد جيّد.
فهذه سُنن رسول الله بيِّنَة في لعن المُحِلّ والمُحَلَّل له، وذلك من أبين الأدلة على أنه حرام باطل؛ إذ اللعن لا يكون إلا على معصية، بل لا يكاد يلعن إلا على كبيرة؛ لأن الصغيرة تقعُ مُكَفَّرةً بالحسنات.
واللعنة هي: الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله، ولن يستوجب ذلك إلا بكبيرة، قال ابن عباس: كلُّ ذنبٍ خُتِم بغضب أو لعنة أو عذاب أو نار؛ فهو كبيرة (^٢). والعقدُ محرَّم، والنكاح المحرَّم باطل باتفاق الفقهاء، ولعنُه للمحلل له يدلُّ على أنها لم تحل له وإلا لم يَكُن للعنةِ وَجْه.
فإن قيل (^٣): يُحمل الحديث على من شَرَطَ التحليل في نفس
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٣٦)، والحاكم: (٢/ ١٩٨)، والبيهقي: (٧/ ٢٠٨) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -. والحديث حسَّنه عبد الحق الإشبيلي، وصححه المؤلف وابن القطان، وقوّاه الزيلعي، وقال في "مصباح الزجاجة": (٢/ ١١٢): "إسناده مختلف فيه". انظر: "نصب الراية": (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، و"التلخيص": (٣/ ١٩٥).
(٢) رواه ابن جرير: (٤/ ٤٤).
(٣) "الإبطال": (ص/ ٣٣٩).
[ ١٣٠ ]
العقد، فيُخَصَّص؛ لأن الشروط إنما تؤثِّر في العقد إذا قارنَتْه، كالبيع، أو يُحمل على من أظهر التحليل دون من نواه؛ لأن العقد إنما يعتبر فيه الظاهر دون الباطن، وإلا لكان فيه ضرر (^١) على العاقد الآخر، فإنه لا اطلاع له على نيَّة الآخر، هذا إن سُلِّم أنَّ لفظ التحليل يَعُم ذلك كلَّه، وإلا [فقد] يقال: لا نُسَلِّم أنَّ المحلل غير من شرط، فلا يكون حينئذٍ ثَم تخصيص أصلًا، ولا بُدَّ من دليل على أنَّ القاصد للتحليل يُسمى محلِّلًا حتى يدخل في العموم، وإلا فالأصل عدم دخوله.
قلنا: الكلامُ في مقامين:
أحدُهما: أن اسم المُحَلِّل يعمّ القاصد وغيره.
والثاني: أنه يجب إجراء الحديث على عمومه.
أما الأول؛ فدليله من وجوه:
أحدها: أن السلفَ كانوا يسمون القاصد محلِّلًا وإن لم يشرطه، والأصل في الإطلاق الحقيقة، قال ابن عمر (^٢): "لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا عَلِم اللهُ أنهما أرادا التحليل". وفي لفظ: "إذا علم الله أنه محلِّل". وفي لفظ: سُئل عمن قَصَد التحليل؟ فقال: "لعن الله المُحِلّ والمحلَّل له" (٢)، فقد أدخل القاصد في اسم المحلِّل، وهذا مأخوذ من كلام السلف كما قدمناه.
_________________
(١) "الأصل" و(م): "ضررًا".
(٢) سيأتي تخريجه ص/ ١٣٧.
[ ١٣١ ]
الثاني: قال أهلُ اللغة - منهم الجوهري (^١) -: المُحَلِّل الذي يتزوج المطلقة ثلاثًا حتى تحلّ للأول.
الثالث: استعمال الخاصة والعامة إلى اليوم، والأصل بقاء اللغة وتقريرها، وكذا عُرْف الفقهاء، فإن فيهم من يقول: نكاح المُحَلِّل باطل، وفيهم من يقول: نكاحُه باطل إذا شرط، وفيهم من يقول: هو صحيح.
الرابع: أن المُحَلِّل اسم لمن حَلَّل الشيءَ الحرام، فإنه اسم فاعل من (١٦٩/ أ) أحلَّ المرأة وحلَّلها إذا جعلها حلالًا.
وإذا كان قياس التصريف واللغة يوجب تسمية ذلك القاصد محلِّلًا لم يجز سلبَ الاسم عنه، وإذا ثبت أنه مراد لرسول الله ثبت أن اللفظ يشمله، ويبين ذلك أنه مراد.
المقام الثاني: أن الحديثَ أُريدَ به كل محلِّل أظهر التحليل أو أضمره؛ فدليله من وجوه:
أحدها: أن الحديث أدنى أحواله أن يشمل [التحليل] المشروط والمقصود؛ لأنا قد بيَّنا أن المراد جعل المرأة حلالًا؛ لأن المتكلم إذا تكلم بكلام يشمل صورًا كثيرة وأراد بعضَها، فلا بدَّ أن ينصبَ دليلًا يبين خروجَ ما لم يُرِدْه، فلما لم يجيء في شيءٍ من النصوص التقييد؛ عُلِمَ أنه أرادَ عمومَه.
الثاني: أنه لو قَصَد التحليلَ المشروطَ خاصة؛ لَلَعَن الزوجة
_________________
(١) في "الصحاح": (٤/ ١٦٧٥).
[ ١٣٢ ]
والولي، كما لعن آكلَ الربا وموكِلَه وشاهديه وكاتِبَه، ولعن في الخمر عشرة (^١)، فلما خصَّ الزوجين باللعن علم أنه عنى التحليل المقصود [المكتوم] (^٢) من المرأة ووليها، وهو ما كان يفعله الصَّدِيْقُ مع صديقه.
الثالث: أنه لعن شاهِدَي الربا وكاتبه، ولعن المُحِلَّ والمحلَّل له، فلو كان التحليل ظاهرًا للعن الشاهدين (^٣).
الرابع: أن التحليل المشروط لم يتم ولم يقع بين المسلمين، لا سيما على عهد رسول الله - ﷺ -؛ لأنه يظهر للناس، فيحولون بين المرأة والرجل، فلما لعن المحل زجرًا له عُلِم أنه من الأمور التي تخفى على العامة، كالزنا ونحوه.
الخامس (^٤): أنه قرنه بالواشمة والمُوْتَشمة والواصلة، فعُلِم أنه لا بد من قدرٍ مشتركٍ بينهما، وهو - والله أعلم - التدليس والتلبيس.
السادس: أنا سنذكر ما نصَّ الرسولُ في التحليل المقصود، وأن أصحابَه بيَّنوا ذلك، وأنه من التحليل، وهم أعلم بمقصوده وأعرف بمراده.
_________________
(١) جاء ذلك من حديث جماعة من الصحابة، منهم أنس أخرج حديثه الترمذي رقم (١٢٩٥)، وابن ماجه رقم (٣٣٨١). انظر "نصب الراية": (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) زيادة من "الإبطال": (ص/ ٣٤٤).
(٣) ينظر الأصل (ص/ ٣٤٤) لزيادة إيضاح هذا الوجه.
(٤) هو في "الإبطال": الوجه الثامن، والذي يليه التاسع. والوجوه المذكورة في الأصل عشرة.
[ ١٣٣ ]