إجماع الصحابة - ﵃ -.
فروي عن عمر أنه قال: "لا أُوتَى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رَجَمْتُهما"، رواه ابن أبي شيبة (^٢) وأبو إسحاق الجُوْزجاني وحرب الكرماني والأثرم والبيهقي (^٣)، وهو مشهور محفوظ (^٤).
ورُفع إلى عثمان رجل تزوج امرأة ليحلها، ففرَّق بينهما، وقال: "لا ترجع إلا بِنِكاحِ رَغْبة لا دُلْسَة" (^٥)، رواه الجوزجاني.
وعن عليٍّ قال: "لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة لا دلسة،
_________________
(١) تقدمت (ص/ ٦٧).
(٢) (٧/ ٢٩٢).
(٣) (٧/ ٢٠٨).
(٤) وأخرجه عبد الرزاق: (٦/ ٢٦٥)، وسعيد بن منصور: (٢/ ٧٥) وغيرهم.
(٥) أخرجه البخاري في "تاريخه": (١/ ١٥٢)، والبيهقي: (٧/ ٢٠٨).
[ ١٣٦ ]
ولا استهزئ بكتاب الله" ذكره بعض المالكية (^١).
وعن علي: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (^٢).
وعن ابن عمر: "لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (^٣).
وعن ابن عباس مثله. وقال: "من يُخَادع الله يخدَعْه" (^٤).
وقال ابن عمر: "لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة" (^٥) رُوي عنه ذلك وغيره من غير وجهٍ.
وهذه الآثار مشهورة عن الصحابة، ويدلُّ ذلك على أن المحلِّل عندهم اسم لمن قَصَد، وأن عمر كان يُنَكِّل من فعل ذلك، فعُلِم شهرة ذلك عندهم، وأنه حرام.
وحديث ذي الرقعتين (^٦) منقطع ليس له إسناد، وهو: أن رجلًا تزوج امرأة ليحلها، فأعجبها، فترافعا إلى عمر، فأمره أن لا يُطلِّقها.
_________________
(١) "المدونة": (٢/ ٢٩٥)؟ .
(٢) رُوي عنه مرفوعًا في "مصنف ابن أبي شيبة": (٧/ ٢٩٢) و"سنن أبي داود" رقم (٢٠٧٦)، والترمذي رقم (١١١٩) وقال: هو حديث معلول.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة: (٧/ ٢٩٢).
(٤) تقدم ص/ ٢٩.
(٥) أخرجه عبد الرزاق: (٦/ ٢٦٦).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور: (٢/ ٧٧)، وعبد الرزاق: (٦/ ٢٦٧)، والشافعي في "الأم": (٦/ ٢٠٨)، والبيهقي في "الكبرى": (٧/ ٢٠٩)، وغيرهم، وقد ذكر شيخ الإسلام في "الأصل": (ص/ ٣٦٠ - ٣٦١) من أخرجه بأسانيدهم وألفاظهم والكلام عليها.
[ ١٣٧ ]
قال أبو عبيد: هو مرسل (^١).
فأين هذا من الذي سمعه يخطب: "لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما" (^٢).
وقال ابن عمر عن التحليل: "هو سِفاحٌ لو أدرككم عمر لنكَّلكم" (^٣).
والمنقطع لا يعارض (١٧٠/ أ) المسند (^٤).
أو لعلَّ الزوج لم ينو التحليل وقتَ العقد، بل قَصَد نكاح الرغبة - إن كان له أصل -. أو أنهم لم يذكروا للزوج أنه يحللها، بل تواطؤهم (^٥) على أن يعطوه شيئًا ليطلقها، ولم يُشعِروه بذلك؛ لكن ظاهر المروي في القصة أنهم شارطوه على الخُلْع قبل النكاح ولم يشترطوا عليه الطلاق المجرَّد.
وليس في القصة أنهم واطئوه على أن يحلِّها للأول، وإنما فيها أنهم واطئوه على أن يبيتَ عندها ليلة ثم يُطلقها، وهذا من جِنْس المتعة التي للزوج فيها رغبة إلى وقت.
ونكاحُ المتعة قد استحلُّوه صدرًا من خلافةِ عمر، حتى أظهر
_________________
(١) أرسله محمد بن سيرين، وهو لم يدرك عمر.
(٢) تقدم ص/ ١٣٦.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف": (٣/ ٥٥٢).
(٤) العبارة في "الإبطال": "والمنقطع إذا عارض المسند لم يلتفت إليه".
(٥) كذا بالأصل و(م)، و"الإبطال": "تواطئوا" وهي أوضح.
[ ١٣٨ ]
عمرُ السنةَ بتحريمه، فلعلَّ هذا كان قبل أن يظهر تحريم المتعة.
ويحتمل أنه أمره أن يمسكها بنكاح جديد.
ثم لو ثبتَ أنَّ عمر صحَّح نكاح المحلِّل، فيجب أن يُحمل الأمرُ فيه على أنه رجع؛ لأنه قد ثبت عنه من غير وجهٍ التغليظُ في التحليل والنهي عنه، وأنه خطبَ الناسَ فقال: "لا أُوتى بمحلِّلٍ ومحلَّلٍ له إلا رجمتهما" ولا يمكن أن يكون رخَّص في التحليل بعد النهي؛ لأن النهيَ إنما يكون عن علمٍ بسنةِ رسول الله، بخلاف ترك الإنكار، فإنه يكون عن الاستصحاب، فثبتَ أن الصحابةَ لم يختلفوا في ذلك.