قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٣٠] الآية. يعني: فإن طلَّقها هذا الزوج الثاني، فلا جُناح عليهما - يعني هي والمطلِّق الأول - أن يتراجعا إن ظنَّا أن يقيما حدود الله.
_________________
(١) (م): "ولهذا لم يثبت لها شيء من ".
(٢) انظر: "السنن الكبرى": (٧/ ٢٠٧) للبيهقي.
[ ١٤٠ ]
وحرف "إن" في لسان العرب لما يمكن وقوعه وعدمه، فأما ما يقع لازمًا أو غالبًا، فيقولون فيه: "إذا"، كقولهم: إذا احمرَّ البسرُ فاتني، ولا يقولون: إنِ احمرَّ؛ لأن الاحمرار واقع. فقوله: "فإن طلَّقها" يُعلم منه أن ذلك النكاح المتقدِّم نكاحٌ يقع فيه الطلاق تارة ولا يقع أخرى، ونكاح المحلِّل يقع فيه لازمًا أو غالبًا، وإنما يقال في مثله: "فإذا".
ولا يقال: فالآيةُ عمَّت كلَّ نكاحٍ، فقيل: "فإن ".
لأنا نقول: لو أراد ذلك لقال: "فإن فارقها"؛ لأنه قد يموت عنها، وقد يفارقها بفسخ، لكن هذه الأشياء ليست في يد الزوج، إنما بيده الطلاق، فلهذا قيل: "فإن" [فـ]ـدلّ على أنَّه نكاح رغبة قد تطلق وقد لا تطلق، لا نكاح دُلسة يستلزم وقوعَ الطلاق إلا نادرًا.
يبيِّنُ هذا: أن الغايةَ المؤقَّتة بـ "حتى" تدخل في حكم المحدود المُغَيَّا، لا نعلم بين أهل اللغة خلافًا فيه، وإنما اختلفَ الناسُ في الموقّت بحرف "إلى".
قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يقتضي أنها لا تحلُّ حتى يوجد الغاية، وهو نكاح زوجٍ غيره، فلما قال بعده: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ علم أن فيه فائدة جديدة، وهو - والله أعلم - التنبيه على أن ذلك الزوج موصوف بجواز التطليق وعدم جوازه.
وتأمل قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، لما كان التطهُّر فعلًا مقصودًا جيء فيه بحرف التوقيت وهو "إذا"، ولما كان الطلاق غير مقصود جيء فيه
[ ١٤١ ]
بحرف التعليق وهو "إن"، ففرَّقَ اللهُ بينهما ليبَيِّن أنَّ هذا مقصودٌ بخلاف هذا.
قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ هذا وُجِد بفعل الله، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فيه أن الثابت بفعل [الله] قد زال، وبقي نوعٌ آخر أخف يمكن زواله بفعل الآدمي، فقال فيه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، وتخصيص الطلاق بهذا المعنى - أيضًا -؛ لأنه إذا كان نكاح رغبة صحَّ أن يقال فيه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ بخلاف المحلِّل، فإنه ليس كذلك لما تقدم.