التحليل الذي يتوسل به إلى ردِّ المرأة، فالمكره والمحتال يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمَه ولا باللفظ معناه، لكن المكره راهبٌ قصدُه دفعُ الضرر، فيُحْمد على ذلك، والمحتال راغبٌ قصدُه إبطالُ حقٍّ أو إثبات باطل، فيُذَمُّ على ذلك.
الوجه الرابع عشر (^١): قوله - ﷺ -: "من أَحْدَثَ في أَمْرِنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ"، رواه البخاري ومسلم (^٢).
ولمسلمٍ (^٣): "من عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرنا فهو رَدٌّ".
وفي "صحيح مسلم" (^٤) عن جابر أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في خُطبته: "أما بعد، فإن أحسنَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمد (١٥٤/ ب)، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة".
وفي لفظٍ (^٥): "كان يخطب للناس فيحمد الله ويُثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِل فلا هاديَ له، خيرُ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهدي هدي محمدٍ، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثةٍ بدعة" [و] رواه النسائي (^٦) بإسنادٍ
_________________
(١) "الإبطال": (ص/ ١١٨).
(٢) البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) "الصحيح": (٣/ ١٣٤٤).
(٤) رقم (٨٦٧).
(٥) لمسلمٍ أيضًا: (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣)، وليس فيه "وكل محدثة بدعة".
(٦) (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).
[ ٦١ ]
صحيح، وزاد: "وكلُّ بدعةٍ في النار".
وكان عمر وابن مسعود يخطبان بهذه الخطبة، وكان يخطبُ بها رسولُ الله - ﷺ -.
وفي لفظ ابن مسعود: "إنكم سَتُحْدِثُوْنَ ويُحْدَث لكم" (^١).
وفي حديث العِرْباض بن سارية قال: "وعَظَنا رسول الله موعظةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قيل: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فما تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة".
رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي (^٢)، وقال: "حسن صحيح".
وفي لفظٍ: "تركتكم على البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها
_________________
(١) أخرجه الدارمي: (١/ ٧٢)، والمروزي في "السنة" رقم (٨١)، وهناد في "الزهد": (١/ ٢٨٧) بسندٍ صحيح.
(٢) أخرجه أحمد: (٢٨/ ٣٦٧ رقم ١٧١٤٢)، وأبو داود رقم (٤٦٠٧)، والترمذي رقم (٢٦٧٨)، وابن ماجه رقم (٤٣)، وغيرهم. والحديث صححه الترمذي، وابن حبان "الإحسان": (١/ ١٧٩)، والحاكم في "المستدرك": (١/ ١٧٤) وغيرهم، وللحديث شواهد كثيرة.
[ ٦٢ ]
بعدي إلا هالك " وفيه: "عليكم بما عرفتم من سنتي" (^١).
فهذه الأحاديث تبيِّن أنَّ رسولَ الله - ﷺ - حذَّر الأمةَ الأُمور المحدثَة، وبيَّن أنها ضلالة، وأن من أحدثَ في أمر الدين ما ليس منه فهو رد، وهذه الجملة لا تنحصر دلائلُها، وكثرةُ وصايا السلف بمضمونها، وكذلك الأدلةُ على لزوم طريقةِ الصحابةِ والتابعين لهم بإحسان، ومجانبة ما أُحْدِث بعدهم كثيرة جدًّا.
واذا كان كذلك، فهذه الحِيَل من الأمور المحدَثة بلا شك ولا رَيْب، ومن البدع الطارئة.
أما الافتاءُ بها وتعليمُها للناس؛ فأول ما حدث في أواخر عصر التابعين (^٢) بعد المئة الأولى بسنين كثيرة، وليس فيها - ولله الحمد - حيلة واحدة (^٣) تُؤْثَر عن أصحاب رسول الله، بل المأثور عن الصحابة أنهم كانوا إذا سُئلوا عن فعل شيءٍ من ذلك حذَّروا منه وزجروا عنه، وفي هذا الكتاب (^٤) عن الصحابة ما يُبَيِّن ذلك.
وأما فِعْلها من بعض الجهال؛ فقد كان يصدر منه قليل في العصر الأول، ولكن يُنكره الفقهاء من الصحابة والتابعين، كما كانوا يُنكرون عليهم الكذب، والرِّبا (^٥) وسائر المحرَّمات.
_________________
(١) هذا لفظ أحمد رقم (١٧١٤٢)، وابن ماجه (٤٣) وغيرهما.
(٢) تعبير شيخ الإسلام: "في أواخر عصر صغار التابعين".
(٣) الأصل: "واحد".
(٤) أي: في مسألتي العينة والتحليل، كما في "الإبطال": (ص/ ١٢١).
(٥) تحتمل في الأصل: "الزنا" وهو كذلك في نسخة في "الإبطال".
[ ٦٣ ]
وهذا الذي ذكرناه من كونها محدثة وبدعة أمر لا يَشُكُّ فيه من له أدنى علمٍ بآثار السلف، وأيام الإسلام، وطبقات المفتِيْن، يُبَيِّنُ ذلك:
أن الكتب المصنَّفة في أحاديث رسول الله، وفتاوى الصحابة والتابعين، ليس فيها شيءٌ من ذلك، ولو أفتوا بشيءٍ من ذلك (١٥٥/ أ) لنُقِل كما نُقِل غيره، والذين صنَّفوا في الحيل من المتأخرين حَرَصوا على أثرٍ من ذلك يقتدون به، فلم يجدوا شيئًا من ذلك، ولله الحمد، إلا ما حُكي عن بعضهم من التعريض واللحن، وقولهم: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (^١). و"الكلامُ أوسع من أن يكذب ظريف" (^٢).
وليس هذا من الحِيل التي قلنا: إنها مُحْدَثة، فإن المعاريض عند الحاجة والتأويل في الكلام، والحلف من المظلوم بأن ينوي بكلامه ما يحتمله اللفظ وهو خلاف الظاهر، كما فعل الخليلُ - ﷺ - (^٣)، وكما قال أبو بكر - ﵁ - عن النبي: إنه رجلٌ يهديني السبيل (^٤)، وكما قال النبي - ﷺ - للرَّجل الكافر الذي سأله: ممن أنت؟ فقال: "نحن من ماءٍ" (^٥)، إلى غير ذلك = أمرٌ جائز،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة: (٥/ ٢٨٢)، والبخاري في "الأدب المفرد": (ص/ ٢٩٧)، والبيهقي: (١٠/ ١٩٩) عن عمران بن حُصين - ﵁ -.
(٢) أخرجه ابن عدي: (٤/ ٣٢)، والبيهقي في "الشعب": (٤/ ٢٣٢) من قول ابن سيرين.
(٣) فيما أخرجه البخاري رقم (٣٣٥٨)، ومسلم رقم (٢٣٧١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٩١١).
(٥) ذكره ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ق ٢/ ٦١٦).
[ ٦٤ ]
وليس هذا من الأمور التي نحن فيها، فإن أكثر ما في ذلك: أنه كَتَم عن المخاطَب ما أراد معرفته، وأفْهَمه خلافَ ما في نفسِه، مع أنه صادق فيما عناه. والمخَاطَب ظالم في تعرُّف (^١) ذلك الشيء، بحيث إن جهله بذلك خير له من معرفته، وهذا فِعْل خير ومعروف مع نفسه ومع المخاطَب، بخلاف الحِيَل التي مضمونها الاحتيال على محرَّم، إما بسببٍ لا يُباح [به] قط، أو يُباح [به] إذا قصدَ به مقصودَه الأصلي، أو للاحتيال على مباح بسببٍ محرَّم، أو على محرَّم بمحرَّم، فهذا الذي قلنا: إنه لم يكن في أصحاب رسولِ الله من يُفتي بها، بل [كان] من ينهى عنها (^٢).
وأما الدلالة على الطريق التي يُنال بها الحلال، والاحتيال للتخلُّص من المأْثَم بطريقٍ مشروع يُقْصَد به ما شُرِع له؛ فهذا هو الذي كانوا يُفتون به، وهو من الدعاء إلى الخير، كما قال النبي - ﷺ - لبلال: "بِعِ الجَمْعَ بالدراهمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدراهِمِ جَنِيْبًا" (^٣).
_________________
(١) الأصل و(م): "تعريف" والمثبت من "الإبطال".
(٢) في "الإبطال": "بل كانوا ينهون عنها"، والأصل و(م): "بل من ينهى عنها" فأصلحناه بما هو مثبت.
(٣) لم أجد ما ذكره المصنف من قول النبي - ﷺ - لبلال - وإن كان الحافظ ابن حجر قد ذكر نحوه في "الفتح": (١٢/ ٣٤٢) في كتاب الحيل - أما قصة بلال فقد أخرجها مسلم رقم (١٥٩٤) وهو أنه جاء بتمر بَرْنيّ، فقال له رسول الله - ﷺ -: "من أين هذا"؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعتُ منه صاعين بصاع فقال - ﷺ -: "أَوَّه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فَبِعْه ببيعٍ آخر، ثم اشتر به". =
[ ٦٥ ]
فهذا يبيع بيعًا بتاتًا مقصودًا ويستوفي الثمن، ثم يشتري به ما أحبَّ من غير ذلك المشتري، فأما إن كان من ذلك المشتري، فإنهم كرهوه، حيث يكون في مظنة أن لا [يَبُتَّا] (^١) البيعَ الأول، ورخَّص فيه من لم يعتبر ذلك.
قال محمد بن سيرين: كانوا يكرهون للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير (^٢).
والبيع طريق مشروع لحصول المُلْك ظاهرًا وباطنًا، بحيث لا يبقى للبائع فيه علاقة، فإذا سلك وقصد به ذلك، فهو جائز، وليس مما نحن فيه، فإنه لم يقصد به المقصود الشرعي.
وبالجملة؛ فقد نصبَ الشارعُ إلى الأحكام أسبابًا تُقْصَد لحصول تلك [الأحكام] (^٣)، فمن دلَّ عليها وأمر بها من يقصد الحلالَ، ليقصد بها المقصودَ الذي جُعِلت له؛ فهذا مُعِلِّم خير، وهذا هو الذي تقدم ذكره عن الإمام أحمد في أول الكتاب (^٤)، لما ذكَرَ: أن حيلة المسلمين أن يتَّبعوا ما شُرِع لهم، فيسلكوا في
_________________
(١) = أما اللفظ الذي ذكره المصنف فهو من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ﵄ -. أخرجه البخاري رقم (٢٢٠١)، ومسلم رقم (١٥٩٢).
(٢) الأصل و(م): "يبتاع"، والمثبت من "الإبطال".
(٣) انظر: "مصنف عبد الرزاق": (٨/ ١٢٩).
(٤) الأصل و(م): "الأسباب" والتصويب من "الإبطال".
(٥) (ص/ ٢٧).
[ ٦٦ ]
حصول الشيءِ الطريقَ الذي شُرِع لتحصيله، دُوْن ما لم يَقْصد الشارعُ به ذلك الشيء.
فثبت أن ذلك (١٥٥/ ب) - أعني: الحِيل - لم تُحْكَ عن أحدٍ من الصحابة، بل حُكي النهي عنها، فعُلِمَ اجتماعُهم على إنكارها وتحريمها، وهذا أبلغ في كونها بدعة محدَثه، فإن أقبح البدع ما خالفت كتابًا أو سنة أو إجماعًا.
وأيضًا: من المعلوم أن الطلاق الثلاث ما زال واقعًا على عهد رسول الله - ﷺ - وخلفائه، وما زال المطلِّقون يندمون ويتمنون المراجعة، والرسولُ أنْصَحُ الناس لأمته، وكذلك أصحابه، فلو كان التحليل يُحِلُّها لأوشك أن يَدُلُّوا عليه - ولو واحدًا - فإن الدواعي إذا تَوَفَّرت على طلب فعلٍ مباحٍ، فلا بدَّ أن يوجد، فلَّما لم يُنقل ذلك، بل نُقِل الزجر عنه، عُلِم أنه لا سبيل إليه ألْبتة.
وهذه امرأة رِفاعة جاءت إلى رسول الله - ﷺ - بعد أن تزَوَّجت عبد الرحمن بن الزَّبِير وطلَّقها قبل الدخول، وجعلت تختلف إليه وإلى خليفتيه - ﵄ - تتمنَّى مراجعةَ رِفاعة، وهم يزجرونها عن ذلك (^١)، وكأنها كرهت أن تتزوَّج غيرَه فلا يُطلِّقها، فلو كان التحليل ممكنًا لكان أنصح الأمة لها يأمرها أن تتزوّج بمحلِّل، فإنها لم تعدم من يبيتُ عندها ليلة ويُعطى شيئًا! ! .
فمن لم تَسَعْه السنة حتى تعدَّى إلى البدعة، وأطْلَقَ للناس
_________________
(١) أخرج قصتها البخاري رقم (٥٢٦٠)، ومسلم رقم (١٤٣٣).
[ ٦٧ ]
ما لم يُطْلقه لهم الرسول مع وجود المقتضي للإطلاق؛ فقد جاء بشريعة ثانية، ولم يكن متبعًا للرسول، ومَرَقَ من الدين، فَلْينظر امرؤٌ أين يضع قدمه! .
وكذلك نعلمُ أنَّ التجارة كانت في القوم فاشية، والربحُ مطلوبٌ بكل طريق، فلو كانت هذه المعاملات جائزة لأوشكَ أن يفتوا بها، وكذلك الاختلاع (^١) لحل اليمين.
وبالجملة؛ الأسباب المحوجة إلى هذه الحيل ما زالت موجودة، فلو كانت مشروعة لنبَّه الصحابةُ عليها، فلَمَّا لم يصدر منهم إلا الإنكار لجنسها عُلِم قطعًا أنها ليست من الدين، وهذا قاطع لا خفاء به لمن نوَّر اللهُ قلبَه، والله المستعان.
ولما ظهر الإفتاء بهذه الحِيَل في أواخر عصر التابعين، أنكر ذلك علماء ذلك الزمان، مثل: أيوب السَّخْتياني، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَينة، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، والفُضَيل، وشريك، والقاسم بن مَعْن، وحفص بن غِياث (^٢).
وتكلَّم علماء ذلك العصر، مثل: أيوب، وابن عَوْن، والقاسم بن مُخَيمرة، والسفيانين، والحمَّادين، والأوزاعي، [و] (^٣) من شاء
_________________
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي "الإبطال": "الاحتيال".
(٢) وهؤلاء الثلاثة قضاة الكوفة.
(٣) من (م) و"الإبطال".
[ ٦٨ ]
الله من العلماء = في الذين توسَّعوا فيها من أهل الكوفة وغيرهم بكلامٍ غليظ، لا يُقال مثلُه إلا عند ظهور بدعة لا تُعْرَف.
ومعلوم أنَّ هؤلاء وأمثالَهم سُرُج الإسلام، ومصابيح الهدى، وأعلام الدين، وأعلم أهل وقتهم، وأَعْرَف ممن بعدهم بالسنة الماضية، وأَفْقَه في الدين، وأورع في المَنْطِق. وقد كانوا يصفون من كان يُفتي بذلك: بأنه قَلَب الدينَ ظهرًا لبطن، ويترك الإسلام أرق من الثوب (١٥٦/ أ) السَّابِرِي (^١)، وينقض الإسلام عُرْوة عروة، إلى أمثال ذلك.
وقد ذُكر عن بعض أهل الرأْي (^٢): أن امرأةً أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى، [فقيل] (^٣) لها: لو ارْتَدَدتِ بِنْتِ منه، فَفَعَلَت. فذُكِر ذلك لعبد الله بن المبارك، وقيل له: إن هذا في "كتاب الحِيَل"، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به فرضي به فهو كافر، ومن حمله من كُورةٍ إلى كُورة فهو كافر، ومن كان عنده ورَضِي به فهو كافر.
وقال إسحاق بن راهويه عن سفيان (^٤) بن عبد الملك: إن
_________________
(١) الأصل و(م): "السابوري".
(٢) هو: أحمد بن زهير بن مروان، كما في أصله. وانظر: "تاريخ بغداد": (١٣/ ٤٢٨).
(٣) الأصل: "قال"، و(م): "فقال" والمثبت من "الإبطال".
(٤) "الإبطال" و(م): "شقيق" وهو خطأ. وهو: سفيان بن عبد الملك المروزي، صاحب ابن المبارك وتلميذه توفي =
[ ٦٩ ]
ابن المبارك قال في قصة بنت أبي روح حيث أُمِرَت بالارتداد، وذلك في أيام غسان (^١)، فغضب ابن المبارك وقال: أَحْدَثوا في الإسلام، ومن أَمَر بهذا فهو كافر، ما أرى الشيطان كان يُحْسِن هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم، أو كان يُحْسِنها ولم يجد من يُمضيها فيهم حتى جاء هؤلاء.
وقال النضر بن شُمَيل: في "كتاب الحيل" ثلاث مئة وعشرون أو وثلاثون مسألة كلُّها كفر (^٢).
وقال شريك في "كتاب الحيل": من يُخادع الله يخدعه.
وقال حفص بن غِياث: ينبغي أن يُكتب عليه: كتاب الفجور. يعني: كتاب الحِيل.
وقال حماد بن زيد: [سمعتُ أيوب يقول] (^٣): وَيْلَهم من يخدعون؟ ! .
وقال يزيد بن هارون: لقد أفتى أصحابُ الحِيَل بشيءٍ لو أفتى به اليهود والنصارى كان قبيحًا.
وعن عبد الخالق بن منصور قال: سمعت أحمدَ بن حنبل
_________________
(١) = قبل المئتين، ترجمته في "تهذيب التهذيب": (٤/ ١١٦)، و"تاريخ الإسلام": (وفيات ١٩١ - ٢٠٠، ص/ ١٨٩).
(٢) كذا في الأصل و(م)، و"الإبطال": "أبي غسان".
(٣) أخرجه الخطيب في "تاريخه": (١٣/ ٤٢٧).
(٤) زيادة من "الإبطال".
[ ٧٠ ]
يقول: من كان "كتاب الحيل" في بيته يُفتي به؛ فهو كافر بما أُنْزِل على محمد - ﷺ - (^١). رواه أبو عبد الله السدوسي (^٢) والقاضي أبو يعلى.
وكلام الأئمة في ذلك كثير جدًّا لا يمكن ضبطه، ولا يسع هذا الموضع إيراد عُشره.
وقال رجلٌ للفضيل: إني إستفتَيْتُ رجلًا في يمين، فقال: إن فعلتَ ذلك حنثْتَ، وأنا أحتال لك فلا تحنث. فقال له: ارجع فاستَثْبِتْه، فإنِّي أظنه شيطانًا تصوَّر لك في صورة إنسان (^٣).
وإنما اشتدَّ نكيرُ هؤلاء الأئمة في "كتاب الحيل"؛ لأن فيه الاحتيال على تأخير صوم رمضان وإسقاط الزكاة والحج، وإسقاط الشُّفعة، وحل الرِّبا، وإسقاط الكفَّارات في الصيام والإحرام والأَيْمان، وحِل السِّفاح، وفسخ العقود، وفيه الكذب وشهادة الزور، وإبطال الحقوق، وغير ذلك، وتعليم الردة لمن أرادت فراقَ زوجها، وهذه من أقبح ما فيه، إلى أشياء أُخر.
فلا يجوز نسبة شيءٍ من ذلك إلى أحد الأئمة، ومن نَسَب ذلك إليهم، فهو مخطئ في ذلك، جاهل بأُصول الفقهاء، وإن كانت الحيلة قد تنفذ على أصل بعضهم (^٤).
_________________
(١) ذكره ابن أبي يعلى في "الطبقات": (٢/ ١٠٥) في ترجمة عبد الخالق بن منصور.
(٢) في "مناقب الإمام أحمد" كما في "الإبطال".
(٣) رواه ابن بطة في "كتاب الحيل" رقم (٦٦).
(٤) وانظر بقية الكلام في "الإبطال": (ص/ ١٣٠) فهو مهم.
[ ٧١ ]
وقد انْتَسَب إلى بعض الأئمة قوم يخالفونهم في الأصول؛ مثل المعتزلة والجهمية وأرباب البدع، فلعلَّ ذلك إنما حصلَ منهم، وإنما ذكرنا مثل هذا الكلام (^١) على كُرْهٍ شديدٍ مِنَّا؛ لما فيه من شبهه بالغيبة (^٢)، ولكن وجوب النصيحة اضطرنا إلى أن نُنَبِّه على ما عِيْبَ على بعض (١٥٦/ ب) المفتين من الدخول في الحِيَل، وليعلم أنها محدثة وبدعة، ونحن نرجو أن يعذر (^٣) الله لمن اجتهد فأخطأ.
حتى ذهب (^٤) هذا الداء إلى كثير من فقهاء الطوائف، حتى إن بعض أتباع الإمام أحمد بن حنبل - مع أنه كان من أبعد الناس عن هذه الحيل - تلَطَّخُوا بها، فأدْخَلها بعضُهم في الأيْمان، وذكر طائفةً من المسائل التي هي بأعيانها من أشد ما أنكره أحمد. وحتى اعتقد بعضُهم جواز خلع اليمين، وصِحَّة نكاح المحلِّل، وجواز بعض الحِيل الربوية.
وكَثُر ذلك في المنتسبين إلى الشافعي - ﵁ -، وتوسَّع بعضُ أصحاب أبي حنيفة فيها توسُّعًا تدلُّ أصول أبي حنيفة على خلافه. وبعض الأئمة من أصحاب مالك تزلزل فيها، حتى رأى أنَّ القياسَ جوازُ بعضها، وحتى ألقوا في نفوس كثير من العامة أنها حلال، وأنها من دين الله! ! .
_________________
(١) أي الكلام المتقدم فيمن أفتى بالحيل.
(٢) في "الإبطال": "لما يشبه الغيبة".
(٣) "الإبطال": "يغفر".
(٤) كذا في الأصل و(م)، وفي "الإبطال": "دَبَّ".
[ ٧٢ ]
ومن شرح الله صدره للإسلام يكرهها وينفر قلبُه منها، والمفتي بغير علم يقول: هي حلال، وهذا جائز، وهذا لا بأس به! ! وهو مُخطئ في هذه الأقوال باتفاق العلماء، فإن أقلَّ درجات أكثرها الكراهة، وقد ذكرنا اتفاقَهم على كراهة التحليل.
ومنشأ هذه الحِيَل وأصلها من اليهود، فلهذا تجد الغاوي من المتفقِّهة متشبِّهًا بهم، وصار أهل الحيل تَعْلوهم الذِّلة والمسكنة لمشابهتهم (^١) باليهود في بعض الأخلاق، ثم قد استطار شررُ هذه الحِيل حتى دخلت في أكثر أبواب الدين، وصارت معروفًا وردُّها منكرًا عند كثير ممن لا يعرف أمور الإسلام وأصوله.
وكلما رقَّ دينُ بعضِ الناس أحدثَ حيلةً، وأكثرها مما أُجْمِع على تحريمها، مثل تلقين بعض الشروطيين لمن يريدُ أن يملك ابنه أو غيره أن يُقر بذلك إقرارًا أو يجعله بيعًا (^٢)، وهذا حرام بالإجماع، فإنه كذب يضر الورثة. وحتى (^٣) إن بعض المتورِّعين من الشهود يحسب أن لا إثم عليه في الشهادة على ذلك، ولا ريبَ أن الشهادةَ على ما يُعلم تحريمه من عقدٍ أو إقرار أو حكم حرام؛ فقد لعن رسول الله - ﷺ - آكلَ الربا وموكلَه وشاهدَيه وكاتِبَه (^٤).
ومثل ما أحدثَ بعضُ الحكام الدعوى المزوَّرة، وأول من
_________________
(١) "الإبطال": "لمشاركتهم".
(٢) ويُشْهِد على نفسه بقبض الثمن.
(٣) انظر الكلام الذي قبله في "الإبطال": (ص/ ١٣٥).
(٤) أخرجه مسلم رقم (١٥٩٨) من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٧٣ ]
أحدثها بعض قضاة الشام قبل المئة السادسة، فيقولون: حكم بكذا بمحضر من خَصْمين، مع القطع أن الحاضرين لم يكونوا خَصْمَين، فإن الخصم المدَّعى عليه من إذا سكت لم يُترك، وذاك الحاضر لو سكت لما أُلْزِم (^١) وادعى على رجلٍ آخر غيره، فإنما (١٥٧/ أ) الغَرَض أن يقول بلسانه: لا حقَّ لكَ قِبَلي، أو: لا أعلمُ صحةَ دعواك، أو يثبت ما ادعاه (^٢)، فتكون صورته صورة الخصم وليس هو بخصمٍ، وكذلك الآخر الذي يدعى أوَّلًا، إلى أمثال ذلك من الكذب والباطل الذي لا يجوز في دين الله تعالى.
ومن البدع (^٣) الجديدة: أن يريد الإنسان أن يقف على نفسه، فيعلمونه أن يقر بأنه وقف على الوجه الذي يريد أن يَقِفَه عليه، ويشهدون عليه ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم أن هذا حرام، فإن الإقرار هو شهادة الإنسان على نفسه، فكيف يُلَقَّن شهادة الزور؟ ! .
ولهم حيلة أُخرى: يُمَلّكه لغيره، ثم يَقِفُه ذلك عليه، ولا شك أن هذا قبيح باطل، فإن حدَّ التمليك أن يرضى المُمَلِّك بنقل الملك إلى المُمَلَّك، بحيث يتصرَّف فيه بما يحِبّ، وهذا قد علم اللهُ وجميعُ الحاضرين أن المُمَلِّك لم يرض بأن يفعل فيه المُمَلَّك ما شاء غير الوقف على الوجه الذي تواطأ عليه، بل ملَّكَه بشرط أن
_________________
(١) "الإبطال": "لو لم يُجب لادَّعى".
(٢) "أو يثبت ما ادعاه" ليست في "الإبطال".
(٣) "الإبطال": "الحيل".
[ ٧٤ ]
يَقِفَه عليه، وهذا تمليك فاسد، ولو فَعَلَ غيرَ ذلك لعدَّه ماكرًا غادرًا، فيتكلَّم بالتمليك استهزاءً وتلاعُبًا بآيات الله وحدوده، وقد كان له مندوحة بأن يقلِّد من يرى وقْفَه على نفسِه (^١)، أو يَقِفَه على غيره ويستثني المنفعةَ مدَّةَ حياته (^٢)، فإن تقليد بعض الأئمة خير من الكذب والخداع والزور.
فصلٌ (^٣)
فإن قيل: هذه الحيل مما اختلف فيها العلماء، فإذا قلَّد الإنسانُ من يُفتي بها فله ذلك، ولا إنكارَ في مسائل الخلاف، لا سيما على من كان متقيِّدًا بمذهب من يرخِّص فيها أو قد تفقَّه فيها، ورأى أن الدليلَ يقتضي جوازَها، وقد شاع العملُ بها عن جماعاتٍ من الفقهاء، ويُعزى القولُ بها إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي - ﵄ -.
وما قالَه مثل هؤلاء الأئمة لا ينبغي الإنكار البليغ فيه، لا سيما على من يعتقد أن الذين جوَّزوا ذلك أفضل من غيرهم، فإذا قلَّد العاميُّ أو المتفقِّه واحدًا منهم، إما على القول: إنه لا يجب على العامي الاجتهاد في أعيان المُفتين، أو على القول بوجوبه إذا ترجَّح عنده أن من قلَّده فيها هو الأفضل، فلا إنكار، إلا أن يُقال: إن المسألة قطعيَّة لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهذا لا يمكن قوله؛ لأن
_________________
(١) انظر "الإبطال": (ص/ ١٤٩).
(٢) انظر "الإبطال": (ص/ ١٣٨).
(٣) "فصل" ليست في "الإبطال".
[ ٧٥ ]