لا يُقال في الظاهر: إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه، وقصدوا بذلك أن يزول اسمُه، فلَعَنَهم اللهُ علِى ذلك نظرًا إلى المقصود، فإن التحريم لا يختلف مع جموده وذَوْبِه.
(١٥١/ أ) ولمن يجوِّز الحِيل في باب الإيمان من هذا الضرب فنون كثيرة، يعلِّقون الحكم فيها بمجرَّد اللفظ، من غير التفاتٍ إلى المقصود، فيقعون في مثل ما وقعت اليهود سواء، ولكن المنع هنا من جهة الشارع، وهناك من جهة الحالف، ولولا أن الله رَحِم هذه الأمة بأن نبيها - ﷺ - نبَّههم على ما لعنت به اليهود، وكان السابقون فقهاء أتقياء علموا مقصود الشارع، فاستقرت الشريعة بتحريم المحرَّمات، من الدم والميتة ولحم الخنزير، وإن تبدَّلت صورها، لَطَرَّقَ الشيطانُ لأهل الحِيَل ما طَرَّق لهم في الإيمان ونحوها، إذ البابان بابٌ واحد على ما لا يخفى، وأيُّ فرقٍ بين ما فعلت اليهود وبين أن يريد رجلٌ أن يَهَبَ رجلًا شيئًا، فيريد أن يقطعَ عنه مِنَّته فيقول: والله لا آخذ هذا فيبيع (^١) ذلك ويأخذ ثمنَه، أو يفصِّله قميصًا ثم يأخذه ويقول: ما أخذتُ الثوبَ.
ومما يبيِّن أن فِعْل أرباب الحيل مثل فِعْل اليهود:
الوجهُ العاشر: ما روى معاوية بن (^٢) صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن
_________________
(١) في الأصل و(م): "فيباع".
(٢) في الأصل و(م): "بن أبي" وكذا في الموضع بعده، وهو خطأ.
[ ٤٤ ]
غَنْم فتذاكرنا الطِّلاء، فقال: حدثني أبو مالك أنه سمع رسولَ الله - ﷺ - يقول: "ليشربَنَّ ناسٌ من أُمتي الخمرَ يُسَمُّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسِهم بالمعازفِ والمغنِّيات، يَخْسِف الله بهم الأرضَ ويَجْعَلُ منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ".
رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (^١)، ولم يذكر أحمد وأبو داود من عند "يُعْزَف" إلى آخره.
وإسناد ابن ماجه إلى معاوية بن صالح صحيح، وسائر إسناده حَسَن، وله أصل في "الصحيح".
قال البخاري (^٢): قال هشام بن عمَّار: ثنا صَدَقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عطية بن قيس، عن عبد الرحمن بن غَنْم، حدثني أبو عامر - أو أبو مالك - سَمِع النبيَّ - ﷺ - يقول: "لَيكُوْنَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّوْنَ الحِرَ (^٣) والحريرَ والخمْرَ والمعازِفَ،
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٥/ ٣٤٢)، وأبو داود رقم (٣٦٨٨)، وابن ماجه رقم (٤٠٢٠) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان، والمصنف وله شواهد كثيرة، انظر: "فتح الباري": (١٠/ ٥٤).
(٢) رقم (٥٥٩٠).
(٣) الأصل و(م): "الخَّزّ" بمعجمتين، لكن رواية البخاري بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة، قال الحافظ في "الفتح": (١٠/ ٥٧): "كذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره، وأغرب ابن التين فقال: إنه عند البخاري بالمعجمتين، وقال ابن العربي: هو بالمعجمتين تصحيف " اهـ.
[ ٤٥ ]
ولينزِلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ عَلَم تروح عليهم بسارحة لهم تأتيهم لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيُبَيِّتُهم اللهُ ويضعُ العلمَ، ويمسخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يومِ القيامَةِ".
هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، وعُرْفُه إذا قال: "قال فلان كذا" فهو من الصحيح المشروط، وإنما لم يُسْنِدْه؛ لأنه قد يكون عنده نازلًا (١٥١/ ب) أوْ لا يذكر من سمعه منه، مع علمه باشتهار الحديث عن ذلك الرجل، أو لغير ذلك. وإذا قال: رُوِي أو يُذكر، لم يكن من شرط كتابه، لكن يكون من الحسن.
والخزُّ (^١) - بالخاء والزاي المعجمتين - نوعٌ من الحرير، ليس هو الخز المأذون في لبسه، المنسوج من صوفٍ وحرير.
وقوله: "لينزلَنَّ أقوامٌ" يعني: من هؤلاء المستحلِّين، والمعنى: أن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب جبل، فيواعدهم رجلٌ إلى الغد، فيُبَيَّتُهم الله - سبحانه - ليلًا، ويمسخ منهم آخرين.
كما ذكر المضمر (^٢) في حديث أبي داود حيث قال: "يمسَخُ منهم آخرين"، والخَسْف المذكور في هذا الحديث - والله أعلم -: التَّبْييت في الحديث الآخر؛ لأنه الاتيان بالبأس بالليل، فهذا نصُّ
_________________
(١) اختصر البعليُّ الكلامَ هنا، فأوهم أن تفسير "الخز" هنا هو لرواية البخاري السابقة، وليس كذلك، ففي أصله - بيان الدليل - ساق شيخُ الإسلام بعضَ ألفاظ حديث المعازف - غير رواية البخاري - ومنها لفظ أبي داود (رقم ٤٠٣٩): "ليكونن من أُمتي أقوام يستحلون الخزّ والحرير " الحديثَ. ثم شرح هذا اللفظ
(٢) في "بيان الدليل": "الضمير".
[ ٤٦ ]
رسول الله: أن هؤلاء المستحلين هذه المحارم كانوا متأوِّلين فيها، حيث زعموا أن الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر وإنما له اسمٌ آخر، إما النبيذ أو غيره.
ومعلومٌ أن هذا هو تأويل طائفةٍ من الكوفيين مع فضل بعضهم وعلمه ودينه، حتى قال قائلهم (^١):
دع الخمر يشربْها الغواةُ فإنني رأيتُ أخاها قائمًا في مكانها
فإِلَّا يَكُنْها أو تكُنْهُ فإِنَّه أخوها غَذَتْه أُمُّه بِلِبَانِها
ولقد صدق فيما قال، فإن النبيذ [و] إن لم يُسَمَّ خمرًا فإنه من جنس الخمر في المعنى، فكيف وقد ثبتَ أنه يسمَّى خمرًا؟ ! فلما ظنوا انتفاء الاسم استحلوها ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بِعَينه شبهة اليهود في استحلال بيع الشحم بعد جَمْلِه، وأخذ الحيتان يوم الأحد - كما تقدم ذكره -.
وروى ابنُ بطة (^٢) بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي - ﷺ - قال: "يأتي على الناس زمانٌ يستحلُّونَ الرِّبا بالبيع" - يعني العِيْنة -.
_________________
(١) هو أبو الأسود الدؤلي "ديوانه": (ص/ ١٨٩)، وانظر "إصلاح المنطق": (ص/ ٢٩٧)، و"أدب الكاتب": (ص / ٤٠٧).
(٢) هذا النص لا يوجد في طبعات "إبطال الحيل" الثلاث، فلعلّ النسخة الأصلية فيها نقص، أو له رواية أخرى، أو سقط سهوًا في الطباعة. وساقه شيخ الإسلام في "الإبطال": ٦٦، لبيان أنه - ﷺ - أخبر عن استحلال الربا باسم البيع كما أخبر عن استحلال الخمر باسم آخر، وذكر الحديث، كما هنا بدون إسناد.
[ ٤٧ ]
وهذا المرسل يصلح للاعتضاد باتفاق الفقهاء، ويشهد له من المسند أحاديثُ العِيْنة، وسنذكرها، فإنه من المعلوم أن مستحلَّ العينةِ إنما يُسمِّيها بيعًا، وفي هذا الحديث أنها ربا لا بيع.
وروى إبراهيمُ الحربيُّ حديثًا عن أبي ثعلبة عن النبي - ﷺ - قال: "أولُ ديِنكم نبوَّةٌ ورحمة، ثم مُلْك ورَحْمة، ثم مُلْك وجَبْرية، ثم مُلك عَضُوض يُسْتَحَلُّ فيه الحِرَ والحريرَ" (^١).
يُريد استحلال الفروج من الحرام؛ لأن "الحِرَ" - بالكسر - هو الفرج. ويُشبه أن يكون أراد ظهور نكاح المحلِّل واستحلال خلع اليمين ونحوه، والله أعلم. فإنَّ الأمةَ لم يستحلَّ أحدٌ منها الزنا الصريح (^٢)، ولم يُرِد فِعْل الزنا؛ لأن هذا لم يزل موجودًا. ثم لفظ الاستحلال يُشْعِر أنه فيمن اعتقد الشيءَ حلالًا والواقعُ كذلك (^٣).
فمن تأمَّلَ ما أخبر به رسولُ الله - ﷺ - ناهيًا عنه مما سيكون في
_________________
(١) أخرجه الدارمي: (٢/ ١٥٥)، ونعيم بن حماد في "الفتن": (١/ ٩٨)، والبزار "الكشف": رقم (١٥٨٩)، والطبراني في "الكبير": (٢٢/ رقم ٥٩١). قال الهيثمي في "المجمع": (٥/ ١٩٢): "رواه أبو يعلى والبزار عن أبي عبيدة وحده قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أول دينكم بدأ نبوّة ورحمة، فذكر نحوه. ورواه الطبراني عن معاذ وأبي عبيدة قالا: قال رسول الله - ﷺ - فذكر نحو حديث أبي يعلى، وزاد: "يستحلون الحرير والفروج والخمور، وفيه ليث بن أبي سُلَيم، وهو ثقة ولكنه مدلّس، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
(٢) هذا في عصر الشيخ وما قبله، أما في هذه العصور المتأخرة، فقد وقع ذلك جهارًا نهارًا، فلا قوة إلا بالله! ! .
(٣) انظر شرح هذا الواقع في "الإبطال": (ص/ ٦٧ - ٦٨).
[ ٤٨ ]