فيه طعنًا على الأئمة بمخالفتهم القواطع.
ثم قد يُفضي ذلك إلى الخروج عن الائتلاف والخروج إلى الفرقة والاختلاف المنهيّ عنه، لا سيما ممن يحمله هوى دينه أو دنياه على ما هو أبلغ من ذلك، فتصيرُ مسائلُ الفقه من باب الأهواء، وهذا غير سائغ، وقد علمتم أن السلفَ كانوا يختلفون في الفروع مع بقاء الأُلفة وصلاح (١٥٧/ ب) ذات البين.
قلنا: نعوذ بالله - سبحانه - مما يُفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاصِ أحدٍ منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم، أو محادَّتهم وترك محبتهم، ونرجو من الله أن نكون ممن يحبهم ويتوَّلاهم، ونعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصِيْبُنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظٍّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولكن دين الإسلام إنما يتم بأمرين:
أحدهما: معرفةُ فضل الأئمة وحقوقهم وقدرهم، وترك كل ما يجرُّ إلى ثَلْبهم.
والثاني: النصيحةُ لله - سبحانه - ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله من البينات والهدى، ولا منافات إن [شاءَ] اللهُ - سبحانه - بين القسمين لمن شرح الله صدره، وإنما يضيقُ عن ذلك أحدُ رجلين؛ رجلٌ جاهل بمقاديرهم (^١)، أو رجل
_________________
(١) ومعاذيرهم.
[ ٧٦ ]
جاهل بالشريعة وأصول الأحكام، وهذا المقصود يتلخَّص بوجوه:
أحدها: أن الرجل الجليل الذى له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانةٍ عُليا، قد يكون منه الهفوةُ والزلَّةُ، هو فيها معذور بل مأجور، ولا يجوز أن يُتْبع فيها، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين.
قال ابنُ المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني لا تُنْشد الشِّعر، فقلت له: يا أبه كان الحسن يُنشد، وكان ابن سيرين يُنشد، فقال لي: يا بُني إن أخذت بشَرِّ ما في الحسن وبِشَرِّ ما في ابن سيرين، اجتمعَ فيك الشرُّ كلُّه.
وهذا أمر متفق عليه، فإنه ما من أحدٍ من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة، وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أنَّ ذلك لا يغضُّ من أقدارهم، ولا يسوِّغ اتّباعهم فيها، كما قال - سبحانه -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
قال مجاهد والحكم بن عُتَيْبَة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويُتْرك إلا النبي - ﷺ - (^١).
وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "المدخل للسنن الكبرى": (ص/ ١٠٧)، وابن عبد البر في "الجامع": (٢/ ٩٢٥) عن مجاهد، وأخرجه ابن عبد البر عن الحكم.
[ ٧٧ ]
فيك الشرُّ كله (^١).
قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا (^٢).
وقد رُوِي عن رسول الله - ﷺ -: "إنِّي لأخافُ على أُمَّتي من بعدي من أعمال ثلاثة" قالوا: وما هي؟ قال: "أخافُ عليهم من زَلَّةِ العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى مُتَّبَعٍ" (^٣).
وقال عمر: "ثلاثٌ يَهْدِمن الدين: زلَّةُ عالمٍ، وجدال منافقٍ بالقرآن، وأئمة مُضِلُّون" (^٤).
وقال أبو الدرداء: "إنَّ مما أخشى عليكم: زلةُ العالم، وجدالُ المنافق بالقرآن" (^٥).
وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كلَّ يوم: "هَلَك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق (١٥٨/ أ) والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدُهم أن يقول: قد قرأتُ القرآنَ، فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيرَه، وإياكم وما ابتدع، فإن كلَّ بدعة ضلالة، وإياكم وزيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر: (٢/ ٩٢٧)، وانظر: "الحلية": (٣/ ٣٢).
(٢) في "الجامع": (٢/ ٩٢٧).
(٣) أخرجه البزار "الكشف": (١/ ١٠٣)، والطبراني في "الكبير": (١٧/ ١٧)، وابن عبد البر في "الجامع": (٢/ ٩٧٨)، وفيه: كثير بن عبد الله المزني ضعيف.
(٤) أخرجه ابن عبد البر: (٢/ ٩٧٩ - ٩٨٠).
(٥) أخرجه ابن عبد البر: (٢/ ٩٨٠).
[ ٧٨ ]
بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمةَ الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمن جاء به، فإن على الحق نورًا.
قالوا: وكيف زَيْغَة الحكيم؟ قال: هي كلمة تَرُوْعُكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ ! فاحذروا زيغتَه ولا تصدَّنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجعَ الحقَّ، وأن العلمَ والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما" (^١).
وعن ابن عباس قال: "ويلٌ للاتباع من عثرة العالم". قيل: كيف؟ قال: "يقول العالم برأيه، ثم يجد من هو أعلمُ برسولِ الله منه فيتْرُك قولَه ذلك، ثم يمضي الأتباعُ" (^٢).
وكذا رُوِي عن غير واحدٍ من الصحابة، فهذه آثار مشهورة رواها ابن عبد البر وغيره، فإذا كان قد حذرنا (^٣) زلة العالم، وأمرنا مع ذلك أن لا نَرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدرَه للإسلام إذا بلغته مقالةٌ ضعيفةٌ عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدُها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقَّنَ صحتَها وإلَّا توقَّف في قبولها.
فما أكثر ما يُحكى عن الأئمة ما لا حقيقةَ له، وكثير من المسائل يُخْرِّجُها بعضُ الأتباع عن قاعدة متبوعه، مع أن ذلك الإمام لو رأى
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق: (١١/ ٣٦٣)، وأبو داود رقم (٤٦١١) مختصرًا، والحاكم: (٤/ ٤٦٠)، وابن عبد البر: (٢/ ٩٨١) وغيرهم.
(٢) أخرجه ابن حزم في "الإحكام": (٣/ ٢٥٦)، والبيهقي في "المدخل": (١/ ٤٤٥)، وابن عبد البر: (٢/ ٩٨٤).
(٣) "الإبطال": "فإذا كنا قد حُذِّرْنا .. ".
[ ٧٩ ]
أنها تُفضي إلى ذلك لما التزمها، ومن عَلِمَ فِقة الأئمة وورعَهم عَلِم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعُب بالدين = لقطَعَ بتحريمها من لا (^١) يقطع به أوَّلًا.
الوجه الثاني: أن الذين أفتوا من العلماء ببعض الحِيَل، أو أُخِذَ ذلك من بعض قواعدهم، لو بلغهم ما جاء في ذلك عن رسول الله وأصحابه؛ لرجعوا عن ذلك يقينًا، فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدُهم يرجع عن رأيه بدون ما في هذه القاعدة، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم، وإن كانوا مُجْمعين على ذلك.
قال الشافعي: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي، وقال: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط (^٢).
وهذا لسانُ حال الجماعةِ كلِّهم.
الوجه الثالث: أن القولَ بتحريم الحِيل قطعيّ ليس من مسائل (^٣) الاجتهاد كما قد بيَّناه، وبيَّنا إجماع الصحابة على المنع منها بكلامٍ غليظ يُخْرِجها عن مسائل الاجتهاد، واتفاق السلف على أنها بدعة مُحْدَثة، وكلُّ بدعةٍ تخالف السنة أو آثار الصحابة؛ فإنها ضلالة، وهذا هو منصوص الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وحينئذٍ (١٥٨/ ب) فلا يجوز تقليدُ من يفتي بها، ويجب نقضُ حكمه، ولا تجوز
_________________
(١) "الإبطال": "من لم".
(٢) انظر "السير": (١٠/ ٣٥).
(٣) "الإبطال": "مسالك".
[ ٨٠ ]