والعقل واللغة والعُرْف، وأنه لا حظَّ له من نظرٍ ولا أثرٍ أصلًا، فإن من تزوَّج ليطلِّق لم يكن النكاحُ مقصودًا له، كما أن [من] تواضع ليُرْفَع لم يكن تواضعًا.
وبالجملة؛ فعلينا أن ننهى [الناس عما نهاهم اللهُ] (^١) (١٧٣/ أ) عنه ورسولُه من النيات الباطنة، وإن لم نعتقد أنها فيهم، وأن لا نكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيَّنَه للناس في الكتاب، الذي تضمَّن طاعة الرسول واتباعَ سبيل السابقين الأولين، وأن لا نعين أحدًا (^٢) بنوع من الإعانة على عقد يغلب على الظن أنه تحليل، كما لا نعين أحدًا على ما يتوسّل به إلى قَتْل معصوم أو وطئ محرم.
والغرضُ: بيان بطلان التحليل وفساده باطنًا، وأما ترتّب الحكم عليه في الظاهر فسيأتي إن شاء الله.
فصلٌ
وقد أخرج الشيطان للتحليل حيلةً أخرى، وهي: أن يزوَّجها المطلِّق من عبدِه بنيَّة أن يبيعه منها أو يهبه [لها] بعد أن يطأها العبد فيبطل النكاح.
ويؤثرون هذا؛ لأن الفرقةَ تكون بيد الزوج المطلِّق والزوجة، فلا يتمكن الزوج من الامتناع من الفرقة، بخلاف الصورة الأولى،
_________________
(١) ما بين المعكوفين مطموس في "الأصل".
(٢) "الأصل" و(م): "أحد" وكذا ما بعدها.
[ ١٥١ ]
فإنه قد يمتنع من الطلاق.
وأيضًا: زعموا أن هذا استر لهما من رجل أجنبي؛ لأن وطء عبده ليس كوطء من يُساميه في الحرِّية.
ثم ذهب بعضُ الشذوذِ إلى أن وطء الصغير الذي لا يجامِعُ مثلُه يُحِلُّها، فإذا انضمَّ إلى ذلك أن يجبره على النكاح صار بيد المطلِّق العقد والفسخ، وإن كان كبيرًا، فمنهم من يخيِّره، فيصير بيد السيد العقد والفسخ أيضًا.
وجعل بعض أصحابنا في هذه الصورة - أعني إذا زوَّجها من عبده الكبير - احتمالًا؛ لأن الزَوْج لم ينوِ التحليل، وإنما نواه غيره. وهذه الصورة أبلغ في المخادعة لله - ﵎ - والاستهزاء بآياته تعالى، فإن (^١) هناك كان المحلِّل هو الذي بيده الفُرْقة، وهنا جُعلت الفرقة بيَد المطلِّق والمرأة، لا سيما إن كانت الزوجة تحت حجر الزوج، بَأن يكون وصيًّا لها، فيرى أن يهبها العبد ويقبله هو، فيبقى المطلِّق مستقلًّا بفسخ النكاح، والعبدُ لا يمكنه أن يتزوج إلا بإذن سيِّده، فيأذن له في النكاح، ومن نيته أن يفسخَ نكاحَه.
فيكون الزوج مخدوعًا ممكورًا به، حيث أذن له في نكاحٍ باشره وليس القصد به نكاحًا وإنما القصد به سفاح، فهناك وقعت المخادعة لله فقط، وهنا وقعت (١٧٣/ ب) في حق الله وفي حق آدميٍّ، وهو الزوج، وتصير اللعنة التي وجبت على المحلِّل والمحلَّل له
_________________
(١) "الإبطال": "فإنه".
[ ١٥٢ ]
كلتاهما على هذا المطلِّق وعلى الزوجة، فيقتسمان لعنةَ المحلِّل، وينفرد المطلِّق بلعنة المحلَّل له، أو تشركه المرأةُ فيهما.
فلهذا قلنا: إن هذا أَغْلَظ وأشد، حيث اجتمع عليه لعنتان، فإن كان العبد قد واطأهم أخذ بنصيبه من اللعنة من غير أن ينقص من نصيب السيد شيئًا.
ويزيده قُبحًا أن الزوج هنا عبد ليس بكفءٍ، ونكاحه إما منقوض وإما باطل، على الخلاف فيه.
وقد يكون التحليل بالعبد من غير المطلق، مثل صديق أو غيره (^١).
وبالجملة؛ فلعنة المحلِّل والمحلَّل له تشمل كلَّ ذلك، وإن كان النبي - ﷺ - لم يقصِدْه (^٢)، فلا ريب أنه في معناه وأوْلَى.
وما ذُكِرَ من الاحتمال في مذهبنا؛ فغير محتمل أصلًا، فإن المعتبر في التحليل بنية من يملك الفُرْقة بقولٍ أو فعل، وإذا كان الزوج الذي يقصد التحليل ملعونًا فالذي يقصد أن يحلل بالزوج أولى بذلك، فإنه يخادع اللهَ ورسولَه وعبدَه المؤمن.
وقد تكون المرأة هي المحلِّلة وحدَها، بأن يقصد إرضاع امرأة له صغيرة، حتى تصير من أمهات النساء، أو يقصد مباشرة أبيه أو ابنه عند من يرى ذلك، لكن هذه الأسباب محرمة في
_________________
(١) انظر "الإبطال": (ص/ ٤٣٥) لمزيد الإيضاح.
(٢) أي: بلفظ المحلل.
[ ١٥٣ ]
نفسها، والغرضُ أنها لو فعلَتْ هذا لم تحل للأول، بحيث لو أُريدت أو باشرت وانفسخ نكاحها لم تحلَّ للأول.
وما أطلقه بعضُ أصحابنا من أن نيَّة المرأة لا عبرة بها بناءً على أنها لا تملك رَفْع العقد بسببٍ مباح؛ ليس بشيءٍ؛ لأن العبرة بنية من يملك الفُرْقة سواء كانت مُكْنَتُه شرعية أو غير شرعية، فإن من كان هكذا كان محلِّلًا.
وكذا لو تزوَّجت بفقير وطلبت الفسخَ لعسرته تَحَيُّلًا علي الرجوع إلى الأول؛ فهي محلّلة لا تحلُّ للأول بذلك؛ لأنه نظير ملك الزوج الطلاق سواء، أو نظير الرضاع ونحوه.
ومن الحيل: إذا كانت المرأةُ أمةً فيزوِّجها سيدها من عبد ثم يبيعها، فتختار فراقه، فكلُّ ذلك من باب واحد؛ لأنه نكاح دُلْسة وخديعة ومكر، فيدخل في ذلك والله أعلم.