تذوق عُسَيْلته ويذوق عُسَيلتها، ثم بعد هذا إذا حدثت فُرْقة لموتٍ أو طلاق أو فَسْخ جازَ للأول أن يتزوَّجها.
بل لو أراد هذا المحلِّل أن يقيم معها استأنف النكاح؛ لأن ما مضى عقد فاسد.
هذا هو الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وهو المأثور عن أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة التابعين، وعامة فقهاء الإسلام؛ مثل: سعيد بن المسيّب والحسن والنخعي وعطاء، وهؤلاء الأربعة هم أركان التابعين. ومثل: أبي الشعثاء والشعبي وقَتادَة وبكر بن عبد الله المزني، وهو مذهب مالك بن أنس وجميع أصحابه، والأوزاعي والليث بن سعد والثوري، وهؤلاء الأربعة أركان تابعي التابعين، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في فقهاء الحديث، منهم: إسحاق بن راهويه وأبو عبيد وسليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. وهو قول للشافعي.
قال (^١) الإمام أحمد في رواية أبي بكر الأثرم: إذا تزوَّجها يريد التحليل ثم طلَّقها بعد أن دخل بها فرجعت إلى الأول؛ يُفَرَّق بينهما، ليس هذا بنكاحٍ صحيح.
وفي روايته - أيضًا - في الذي يطلِّق ثلاثًا: لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيرَه نكاحًا صحيحًا، نكاح رغبة ليس فيه دُلْسة.
وهذا قول عامة أصحابه ومحققيهم، قطعوا بأن المسألة رواية
_________________
(١) "الإبطال": (ص/ ٢٢).
[ ١٨ ]
واحدة. وهذا الذي استقرَّ عليه قول القاضي (^١) في كتبه المتأخرة، مثل "الجامع" و"الخلاف".
ومنهم من جعل في المذهب خلافًا، وسنذكر أصله إن شاء الله تعالى.
وقال عبدُ الملك بن حبيب (١٤٥/ أ) المالكي: ولو تزوَّجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها (^٢) للأول؛ لم يَجُز، ولا يُحلِّها ذلك؛ لما خالط نكاحه من نية التحليل.
وقياس قول أكثر أصحابنا أن هذا نكاح صحيح؛ لأنه إنما نوى فراقها إذا لم تعجبه وصار التحليل ضِمْنًا.
فأما من سوَّى من أصحابنا بين نكاح المتعة والتحليل وبين قوله: إن جِئتني بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بيننا، فإن قولهم يوافقَ قولَ ابنِ حبيب، فإن هؤلاء يسوُّون بين أن يشترط الفُرْقة في النكاح عينًا أو يشترطها بتقدير عدم المهر.
وللشَّافعي فيما إذا نوى الزوج التحليل ولم يشترط عليه قولان:
أحدهما: مثل قول مالك (^٣).
والقول الثاني: أن النكاح صحيح (^٤).
_________________
(١) يعني: أبا يعلى بن الفراء.
(٢) "الأصل": "تحليها"! .
(٣) وهو قوله القديم.
(٤) وهو قوله الجديد، انظر "الأم": (٦/ ٢٠٦).
[ ١٩ ]
ورُوي عن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزِّناد، حكاه عنهم ابنُ عبد البر (^١)، وفي القلب من حكاية هذا عنهم حزازة (^٢)؛ فإن مالكًا أعلمُ الناس بمذاهب المدنيين وأتبعُهم لها، ومذهبه في ذلك شدة المنع، وهؤلاء من أعيان المدنيين، والمعروف عن المدنيين التغليظ في التحليل، قالوا: هو عملهم وعليه اجتماع ملئهم.
وهذا القول الثاني هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وداود بن علي، وقد خرَّج ذلك طائفة من أصحابنا، منهم القاضي في "المجرَّد" وابن عقيل في "الفصول" وغيرهما على وجهين:
أحدهما: أن العقد صحيح مع أنه مكروه، قالوا: لأن أحمد قال: أكرهه، والكراهةُ المطلقةُ منه هل تحمل على التحريم أو على التنزيه؟ على وجهين. وجعلَ الشريفُ أبو جعفر وأبو الخطاب وطائفةٌ المسألةَ على روايتين (^٣). وقطع ابن البنّا بالصحة مع الكراهة.
وهذا التخريج ضعيف على المذهب من وجهين:
أحدهما: أن الكراهة المنقولة نَقَلها حَرْب: أن أحمد سئل عن الرجل يتزوج المرأة وفي نفسِه طلاقها، فكرهَه، وليس هذا
_________________
(١) في "التمهيد": (١٣/ ٢٣٤).
(٢) بيَّنها المؤلف في موضع آخر من "الإبطال": (ص/ ٣٠).
(٣) أحدهما: البطلان، كما نقله حنبل. والثانية: الصحة؛ لأن حربًا نقل عنه أنه كرهه. كما في "الإبطال": ٢٤.
[ ٢٠ ]
في (^١) نية التحليل، وإنما هو في نية الاستمتاع، وبينهما فَرْق؛ لأن المحلل لا رغبة له في النكاح أصلًا وإنما غرضه إعادتها إلى المطلِّق، والمستمتع له رغبة في النكاح إلى أَمَد، ولهذا أُبيح نكاحُ المتعة في بعض الأوقات ثم حُرِّم، ولم يُبَح التحليلُ قط.
الوجه الثاني: أن أحمد قال: إذا تزوَّجها ومن نِيَّته أن يُطلِّقها: أكرهه، هذا متعة، نقله عبد الله (^٢).
ونقل أبو داود (^٣) إذا تزوَّجها على أن يحملها إلى خراسان ثم يخلِّي سبيلها؟ فقال: لا، هذا يُشبه المتعة، حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حَيِيَت.
وهذا يُبين أَنَّ هذا كراهة تحريم وأنه جعله متعة، والمتعة حرام عنده، ففي الجملة إذا تزوَّجها ونوى أن يُحِلِّها فلم يُنقل عن أحمد (١٤٥/ ب) فيه لفظ محتمل لعدم التحريم.
وأما إذا نوى أن يطلِّقها في وقت، فقد نقل عنه التحريم في روايةٍ تقدمت، وفي الرواية الأُخرى - وهو قوله: "هذا يُشبه المتعة" - يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، لأن المشبَّه دون المشبَّه به.
وأما إذا تواطآ على التحليل قبل العقد، فهو كالمشروط في
_________________
(١) (م): "هو في"، وأصله: "وهذا ليس في".
(٢) لم أجده في مسائله المطبوعة.
(٣) "المسائل": (ص/ ٢٣٠).
[ ٢١ ]
العقد عند كثير من هؤلاء، وهو أشْبَه بأَصْلِنا إذا قلنا: إن النية المجرَّدة لا تؤثِّر، فإن الغالب على المذهب: أن الشروط المتقدمة على العقد بمنزلة المقارنة، وهو مفهوم ما خرَّجه أبو الخطاب وغيره؛ لأنه خصَّ الخلاف فيما إذا نوى التحليل ولم يشترطه، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو قول هؤلاء التابعين الذين نقل عنهم الرُّخصة في مجرَّد نيَّة التحليل.
فرُوي عن القاسم وأبي الزناد وسالم: لا بأس إذا لم يعلم الزوجان، وهو مأجور، حكاه الطحاوي (^١). وكذلك قال ربيعة ويحيى بن سعيد: هو مأجور (^٢).
وعلى هذا (^٣)؛ فليس عن أحدٍ من التابعين رخصة في نكاح المحلِّل إذا علمت به المرأة أو الزوج المطلِّق، فضلًا عن اشتراطه. والمشهور في مذهب الشافعي: أن الشرط المتقدم غير مؤثِّر، وكذا ذكره القاضي في "المجرَّد": أنه عندنا كنية التحليل من غير شرط، وخرَّج فيهما وجهين.
وأما إذا شَرَط التحليل في العقد، فهو باطل، سواء قال: زوَّجتك إلى أن تحلَّها، أو إلى أن تطأها، أو بشرط أنك إذا وَطِئتها فلا نكاح بينكما، أو على أن لا نكاح بينكما إذا أحْلَلْتها، ونحو ذلك من الألفاظ التي أوجبت ارتفاع النكاح إذا تحلَّلت. أو قال:
_________________
(١) في "اختلاف العلماء" انظر "مختصره": (٢/ ٣٢٥) للجصّاص.
(٢) ذكره عنهم ابن عبد البر في "التمهيد": (١٣/ ٢٣٤).
(٣) من قوله: "وهو أحد الوجهين" إلى هنا ملحق في الهامش.
[ ٢٢ ]
على أنك تطلِّقها إذا أحللتها، أو على أن يُحلِّها فقط (^١).
وهو ظاهر مذهب الشافعي، ويروى عن أبي يوسف.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: النكاحُ صحيحٌ والشرطُ فاسد.
وخرَّج القاضي في موضع من "الخلاف" وأبو الخطَّاب روايةً بصحة العقد وفساد الشرط، كقول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من طَرَد التخريج في الصور الثلاث (^٢)، وهو في غاية الفساد! بل لا يجوز نِسبة مثل هذا إلى أحمد.
ثم عامة هؤلاء الذين لا يُبْطلون العقد يكرهون نكاح المحلل، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، ولم يبلغنا عن أحدٍ خلاف ذلك فيما إذا ظهر من الزوج أنه يريد التحليل.
وزعم داود: أنه لا يبعد أن يكون مرِيد نكاح المطلَّقة ليُحلها لزوجها مأجورًا إذا لم يظهر ذلك باشتراطه حين العقد. واخْتُلِف عن أبي حنيفة وأصحابه إذا صحَّحوا النكاح؛ هل يُفيد الحل أم لا يُفيده وإن كان صحيحًا (^٣)؛ لأنه استعجل ما أخَّره الشارع فجوزي بنقيض قصده.
فإذا ظهرت المقالات في هذه المسألة؛ فقد تقدَّم أن الذي
_________________
(١) من قوله: "أو إلى أن تطأها" إلى هنا ملحق في الهامش.
(٢) سيذكرها المؤلف بعد قليل.
(٣) عبارة "الإبطال": " فمرة قالوا: لا تحل له بهذا النكاح - وإن كان صحيحًا -، ومرة قالوا: تحل به ".
[ ٢٣ ]