بالدنيا وشهواتها؛ فهو لم يخلق لها، [إنما] خلق، ليعمل فيها للآخرة، فلا ينبغي أن يُشغل بها عمَّا خلق له» (١).
الحديث الخامس: حديث عمرو بن عوف الأنصارى أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - ﷺ - صالح أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت (٢) صلاة الصبح مع النبي
- ﷺ -، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم، وقال: «أظنُّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا وأمِّلُوا (٣) ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها (٤) كما تنافَسُوها، وتُهلككم كما أهلكتهم» (٥).
وفي رواية للبخاري: «وتُلهيكم كما ألهتهم» (٦).
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٣٥ - ٦٤٤٠، وكان فجر الأربعاء في ١٧/ ١٠/١٤١٩هـ قبل موته ﵀ بشهرين؛ فإنه توفي يوم الخميس ٢٠/ ١/١٤٢٠هـ.
(٢) فوافت: أي أتت، يقال: وافيته موافاةً: أتيته، ووافيت القوم: أتيتهم. المصباح المنير، ٢/ ٦٦٧، والقاموس المحيط، ص ١٧٣١.
(٣) أمِّلوا: هذا أمر بالرجاء يقال: أمَلَهُ أملًا، وأمَّلهُ: رجاه وترقبه. القاموس المحيط، ص ١٢٤٤، والمصباح المنير، ١/ ٢٢، والمعجم الوسيط، ١/ ١١٣.
(٤) فتنافسوها: أي تتحاسدون فيها فتختلفون، وتتقاتلون فيُهلك بعضكم بعضًا. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ١١٣.
(٥) الحديث ٣١٥٨، طرفاه في: كتاب المغازي، باب ٥/ ٢٣، برقم ٤٠١٥، وكتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢١، برقم ٦٤٢٥. وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٣، برقم ٢٩٦١.
(٦) من الطرف رقم ٦٤٢٥.
[ ٤٩ ]
ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: «وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين» (١)، «لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك» (٢).
وقوله - ﷺ -: «وتلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي ﵀: «تلهيكم» أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٣)، كما قال الله - ﷿ -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٤).
وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شرٌّ وخطرٌ؛ ولهذا قال - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» وفي لفظ لمسلم: « إن هذا المال خضِرٌ حلوٌ، ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل»، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، «وإنه من
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٣٦٣.
(٢) فتح الباري، ١١/ ٢٤٥.
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ١٣٣.
(٤) سورة التكاثر، الآيتان: ١ - ٢.
[ ٥٠ ]
يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (١).
وعن عمرو بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (٢).
وعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب - ﵁ - نعوده فقال:
«إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به»، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٣).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٤)، وذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٥).
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢٢، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧، برقم ١٠٥٢، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.
(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٢٩٩، وقال العلامة ابن باز ﵀ في حاشيته على بلوغ المرام، حديث ٦١٩: «بإسناد صحيح». وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ١٢٧.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/ ١٢، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، ٤/ ٢٠٦٤، برقم ٢٦٨١.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.
(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٩٣.
[ ٥١ ]
وقد بين الله - ﷿ - حقيقة الدنيا:
فقال - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وقال - ﷿ -: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
وقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا* الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٣).
ولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غِنىً وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا» (٤).
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.
(٣) سورة الكهف، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.
(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٤٧: «وهو كما قالا». وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.
[ ٥٢ ]
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسد فقرك» (١). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ (٢).
ولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.
وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت
الدنيا همه فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣).
وقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ» (٤)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ - (٥)؛
_________________
(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة، ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ٣/ ٣٤٦. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٢٠.
(٣) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٤/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.
(٤) الترمذي بلفظه، كتاب الزهد، باب: حدثنا محمد بن حاتم، ٤/ ٥٦١، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٧ برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤، برقم ٧١، و١/ ٦، برقم ٧.
(٥) قوله: «وما والاه» أي: ما يحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات ومستحسنات الشرع. وقوله: «وعالم أو متعلم» والرفع فيها على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله، وما والاهُ، وعالمٌ أو متعلم» والعالم والمتعلم: العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ٦١٣.
[ ٥٣ ]