بنت عقبة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (١).
٣ - أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، فيغتنم حياته قبل موته، وصحته قبل مرضه، فينفق ولا يبخل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَال﴾ (٢)، ومعنى «خلال» لا خلة ولا صداقة (٣).
قال العلامة السعدي ﵀: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي لا ينفع فيه شيء، ولا سبيل إلى استدراك ما فات، لا بمعاوضة ببيع وشراء، ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدِّم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغدٍ؛ وليتفقَّد أعماله، ويحاسب نفسه قبل الحساب الأكبر» (٤).
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ
_________________
(١) الحاكم، ١/ ٤٠٦، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤٠٥: «وهو كما قال».
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣١.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٥.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٤٢٦.
[ ١٧ ]
الظَّالِمُونَ﴾ (١). وهذا من فضل الله ولطفه بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم؛ ليكون لهم ذخرًا وأجرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال
ذرة من الخير، فلا بيع فيه، ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق: لا بوجاهة، ولا بشفاعة (٢).
وقال - ﷾ -: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان» (٤).
الشح عام غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره؛ فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح رجاء البقاء وخوف الفقر، وهو يطمع في الغنى (٥)،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٤.
(٢) انظر: تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ١١٠.
(٣) سورة المنافقون، الآية: ١٠.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٤١٩، وكتاب الوصايا، باب الصدقة عند الموت، برقم ٢٧٤٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٠٣٢.
(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٢٩ - ١٣٠.
[ ١٨ ]