سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، ويقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)؛ ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث فيأتي الله به، ويصلي على النبي - ﷺ - ويدعو بدعائه - ﷺ -» (٣).
وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (٤). وكقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٥). وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار.
ثامنًا: المبالغة في رفع اليدين في الدعاء، ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يرفع يديه في دعاء الاستسقاء حتى يُرى
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.
(٢) سورة القصص، الآية: ١٦.
(٣) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٤٣.
(٤) سورة هود، الآية: ٣.
(٥) سورة هود، الآية: ٩٠.
[ ٤١ ]
بياض إبطيه، ويبالغ في رفع اليدين حتى يجعل ظهر كفيه إلى السماء، فعن أنس - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبطيه».
وفي لفظ: «كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه»، وفي لفظ لمسلم: «أن النبي - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء» (١).
قال الإمام القرطبي – ﵀ -: «قول أنس إنه - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع إلا في الاستسقاء؛ ولذلك قال: «حتى يُرى بياض إبطيه» وإلا فقد رفع النبي - ﷺ - يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك» (٢).
وقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: «هذا الحديث
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء، برقم ١٠٣١، وفي كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٦٥، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٥.
(٢) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٤١.
[ ٤٢ ]
يوهم ظاهره أنه لم يرفع - ﷺ - إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه - ﷺ - في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا في الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره رفع وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة – وهم جماعات – على واحد لم يحضر ذلك ولابد من تأويله؛ لِمَا ذكرناه والله أعلم» (١).
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀ -: «قوله: «إلا في الاستسقاء» ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة، وقد أفردها المصنف بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيها عدة أحاديث فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٢.
[ ٤٣ ]
على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة: إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله: «حتى يُرى بياض إبطيه»، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به: مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعها إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه.
وأما صفة رفع اليدين في ذلك؛ فلِما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس «أن النبي - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء»، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: «كان يستسقي هكذا ومد يديه - وجعل بطونهما مما يلي الأرض - حتى رأيت بياض إبطيه (١» (٢).
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٠.
(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥١٨.
[ ٤٤ ]
قال الإمام النووي – ﵀ -: «قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء رفع بلاء: كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، احتجوا بهذا الحديث» (١).
وقال الحافظ ابن حجر: «وقال غيره –أي النووي-: «الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء، دون غيره للتفاؤل بقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض» (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول على قول أنس - ﵁ -: «كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ..» والمراد هنا الرفع الشديد والمبالغة في الرفع وإلا فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه رفع في
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢.
(٢) فتح الباري، ٢/ ٥١٨.
[ ٤٥ ]
أدعية كثيرة غير ذلك» (١).
وسمعته يقول – ﵀ -: «رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ومستحب إلا في المواطن التي وجدت الأسباب [للرفع] فلم يرفع فيها النبي - ﷺ -، لكن المواضع التي رفع فيها نرفع فيها، مثل: الدعاء في الاستسقاء، ومثل: إذا عرض للإنسان حاجة فرفع يديه يدعو: كالاستخارة وغيرها، أما المواضع التي ما رفع فيها - ﷺ - مثل: ما بين السجدتين، فلا نرفع فيها، [و] مثل [ذلك] في آخر الصلاة قبل السلام، وبعد الفريضة كذلك، ما كان يرفع - ﷺ - فلا نرفع، والأصل في الدعاء رفع اليدين إلا [في] المواطن التي لم يرفع فيها النبي - ﷺ - وقد وجدت أسباب الرفع، ومسح الوجه باليدين لا بأس به؛ لأن الحافظ حسّن الحديث، وهو أعلم من غيره» (٢).
وقد استفدت من شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٥٦٥.
(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٣٤١.
[ ٤٦ ]