سادسًا: صلاة الخوف حال القتال والتحام الحرب، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: «لما أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا على أي حال كان: رجالًا أو ركبانًا، يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٢)، كما قال مالك عن نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا
_________________
(١) سورة البقرة، الآيتان: ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ص١٩٧.
[ ٣٥ ]
مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - ﷺ -»، ولفظ مسلم: «فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلِّ راكبًا، أو قائمًا، تومئ إيماءً» (١)، وفي حديث عبد الله بن أنيس - ﵁ - لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: «اذهب فاقتله» قال فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي، وأومئ إيماءً نحوه » الحديث (٢).
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، وقال الوليد: ذكرت
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾، برقم ٤٥٣٥ [و٩٤٢، ٩٤٣]، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٣٠٦ - (٨٣٩).
(٢) أحمد، ٣/ ٤٩٦، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب صلاة الطالب، برقم ١٢٤٩، قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره، ص١٩٧: «رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد». وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٤٣٧: «وإسناده حسن» وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص٩٧، برقم ١٢٤٩.
[ ٣٦ ]
للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة، فقال: كذلك الأمر عندنا إذا تُخُوِّفَ الفوت، واحتج الوليد بقول النبي - ﷺ -: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماءً، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه، فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل، بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة؛ لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدو، وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي؛ فإنه قيده بخوف الفوت ولم يستثنِ طالبًا من مطلوب» (٢)، ثم ذكر ابن حجر رحمه
_________________
(١) البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب، قبل الحديث رقم ٩٤٦، والحديث الذي احتج به الوليد، هو نفسه رقم ٩٤٦، ورقم ٤١١٩.
(٢) فتح الباري، ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
[ ٣٧ ]
الله حديث عبد الله بن أنيس المتقدم وحسّن إسناده (١).
وقال البخاري رحمه الله تعالى: «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو. وقال الأوزاعي: إن كان تهيّأ الفتح وعقدوا على الصلاة صلوا إيماءً كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأْمَنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأْمَنوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تُستر (٢) عند إضاءة الفجر - واشتد اشتعال القتال - فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلِّ إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا، وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها» (٣)،ثم ساق البخاري عن جابر بن
_________________
(١) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٤٣٧.
(٢) تستر: بلد معروف من بلاد الأهواز، وذكر خليفة أن فتحها كان في سنة عشرين في خلافة عمر - ﵁ -، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣٥.
(٣) البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، قبل الحديث رقم ٩٤٥.
[ ٣٨ ]