الثاني: إن النجاشي لم يكن في بلاده ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه (١).
الثالث: إن النبي ﷺ إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه وإستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الإهتمام به حيًا وميتًا (٢).
وقد أجاب الشافعية والحنابلة ومن وافقهم عن هذه الإعتراضات بما يلي:
١ - إن إدعائهم أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي من خصوصياته ﵊ غير مسلم لأن الأصل عدم الخصوصية (٣).
قال الإمام الخطابي (وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهدين للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى كان يبصر مكانه. وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئًا من افعاله الشريفة كان علينا متابعته والإيتساء به والتخصيص لا يعلم الا بدليل.
ومما يبين ذلك أنه - ﷺ - خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم فصلوا معه فعلمت ان هذا التأويل فاسد) (٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي ٢/ ٨١ - ٨٢، نصب الراية ٢/ ٢٨٣.
(٢) تفسير القرطبي ٢/ ٨٢.
(٣) سبل السلام ٢/ ٢٠٩.
(٤) معالم السنن ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.
[ ٤٢ ]
وقال الإمام البغوي (وزعموا ان النبي ﷺ كان مخصوصًا به.
وهذا ضعيف لأن الإقتداء به في أفعاله واجب على الكافة ما لم يقم دليل التخصيص ولا تجوز دعوى التخصيص هاهنا لأن النبي ﷺ لم يصل عليه وحده إنما صلى مع الناس) (١).
وقال صاحب عون المعبود:
(قلت دعوى الخصوصية ليس عليها د ليل ولا برهان بل قوله ﷺ "فهلموا فصلوا عليه" وقوله "فقوموا فصلوا عليه" وقول جابر "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" وقول أبي هريرة "ثم قال إستغفروا له ثم خرج بأصحابه فصلى بهم كما يصلى على الجنازة" وقول عمران "فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت" وتقدم هذه الروايات يبطل دعوى الخصوصية لأن صلاة الغائب إن كان خاصة بالنبي - ﷺ - فلا معنى لأمره ﷺ بتلك الصلاة بل نهى عنها لأن ما كان خاصًا به ﷺ لا يجوز فعله لأمته. ألا ترى صوم الوصال لم يرخص لهم به مع شدة حرصهم لأدائه والأصل في كل أمر من الأمور الشرعية عدم الخصوصية حتى يقوم الدليل عليها وليس هنا دليل على الخصوصية بل قام الدليل على عدمها) (٢).
_________________
(١) شرح السنة ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(٢) عون المعبود ٩/ ٩.
[ ٤٣ ]
وقال إبن العربي المالكي (قال المالكية وغيرهم ليس ذلك إلا لمحمد قلنا: وما عمل به محمد تعمل به أمته) (١).
٢ - وأما قولهم إن الأرض دحيت للنبي ﷺ فرأى نعش النجاشي أو أحضر النعش بين يدي النبي ﷺ، فكلام ينقصه الدليل وقد ردّ ذلك كثير من أهل العلم: قال الإمام النووي (إنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لإحتمال انحراف العادة في تلك القضية مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله) (٢).
وقال الإمام إبن العربي المالكي جوابًا على زعمهم بأن الأرض طويت وأحضرت الجنازة بين يديه ﷺ (قلنا إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا لأهل لذلك ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف (٣).
وقال شمس الحق العظيم آبادي (وأما قولهم رفع له سريره أو أحضر روحه بين يديه فجوابه: أن الله ﵎ لقادر عليه وأن محمدًا ﷺ لأهل لذلك لكن لم يثبت ذلك في حديث النجاشي بسند صحيح أو حسن وإنما ذكره الواحدي عن إبن عباس بلا سند فلا يحتج به.
ولهذا قال ابن العربي: ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف.
_________________
(١) عارضة الأهوذي ٤/ ٢٥٩.
(٢) المجموع ٥/ ٢٥٣ وانظر المغني ٢/ ٣٨٢.
(٣) عارضة الأهوذي ٤/ ٢٦٠وانظر فتح الباري ٣/ ٤٣٢.
[ ٤٤ ]
وأما ما رواه أبو عوانه وإبن حبان من حديث عمران بن حصين، فلا يدل على ذلك فإن لفظه "وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه" وفي لفظ "ونحن لا نرى إلا الجنازة قدامنا" ومعنى هذا القول أنا صلينا عليه خلف النبي ﷺ كما يصلي على الميت والحال أنا لم نر الميت لكن صففنا عليه كما يصف على الميت كأن الميت قدامنا ونظن أن جنازته بين يديه ﷺ لصلاته ﷺ كعلى الحاضر المشاهد فحينئذ يؤول معنى لفظ هذا الحديث إلى معنى لفظ أحمد ويؤيد هذا المعنى حديث مجمع عند الطبراني "فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئا".
ومن ها هنا إندفع قول العلامة الزرقاني حيث شنع على ابن العربي وقال قد جاء ما يؤيد رفع الحجاب بإسنادين صحيحين من حديث عمران فما حدثنا إلا بالثابتات إنتهى، فإن هذا الحديث لا يدل على رفع الحجاب.
ولئن سلمنا فكان الميت غائبًا عن أصحابه ﷺ الذين صلوا عليه مع النبي ﷺ (١).
٣ - وأما قولهم بأن النجاشي مات بأرض لم يكن فيها أحد من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه.
فجوابه: إن هذا بعيد لأن النجاشي ملك الحبشة وقد أسلم وأظهر إسلامه فيبعد أن يكون لم يوافقه أحمد يصلي عليه فالعادة
_________________
(١) عون المعبود ٩/ ٩ - ١٠.
[ ٤٥ ]
تحيل ذلك أي أن يكون ملك على دين ولا يكون له أتباع ثم إنه لم يأت في شيء من الأخبار أنه لم يصل عليه في بلده آحد (١).
فإن قيل: إنه لم يرد في شيء من الأخبار أنه صلى عليه أحد في بلده.
فالجواب: (نعم ما ورد فيه شيء نفيًا ولا إثباتًا لكن من المعلوم أن النجاشي أسلم وشاع إسلامه ووصل إليه جماعة من المسلمين مرة بعد مرة وكرة بعد كرة فيبعد كل البعد أنه ما صلى عليه أحد من بلده) (٢).
٤ - وأما قولهم بأن النبي ﷺ خص بتلك الصلاة النجاشي لإدخال الرحمة عليه وإستئلاف بقية الملوك بعده لما يرونه من الإهتمام به حيًا وميتًا.
فالجواب: لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع.
ثم إن بركة دعاء النبي ﷺ ومن صلى معه من الصحابة على النجاشي تلحق بكل ميت وليس الأمر خاصًا بالنجاشي (٣).
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٤٣٢، المغني ٢/ ٣٨٣، تفسير القرطبي ٢/ ٨٢.
(٢) عون المعبود ٩/ ٦.
(٣) فتح الباري ٣/ ٤٣٢، تفسير القرطبي ٢/ ٨٢.
[ ٤٦ ]