ثانيًا:
وإعترض الحنفية والمالكية على الإستدلال بقصة صلاة النبي ﷺ على النجاشي بأنها ليست تشريعًا للأمة لأن النبي ﷺ لم يصل على غائب سواه بعد تسليمهم بأن تلك الصلاة كانت صلاة غائب.
قال الزيلعي (ويدل على ذلك أن النبي ﷺ لم يصل على غائب غيره وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون وسمع بهم فلم يصل عليهم إلا غائبًا واحدًا ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره وهو معاوية بن معاوية المزني .. وغائبان آخران هما زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب) (١).
والجواب على هذا الإعتراض من وجوه:
الوجه الأول: أنه لإثبات السنية أو لإستحباب فعل من الأفعال يكفي فيه ورود حديث واحد بالسند الصحيح سواء كان قوليًا أو فعليًا أو سكوتيًا. ولا يلزم لإثبات السنية كون الحديث مرويًا عن جماعة من الصحابة في الواقعات المختلفة وإلا لا يثبت كثير من الأحكام الشرعية التي معمول بها عند جماعة من الآئمة.
الوجه الثاني: إن صلاة الجنازة إستغفار للميت ودعاء له وقد بين لنا رسول الله ﷺ أن طريق أدائها بثلاثة أنواع:
_________________
(١) نصب الراية ٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ٤٧ ]
النوع الأول: أن يكون الميت مشهودا حاضرًا قدام المصلين فيصلون عليه وهذا النوع هو الأصل في هذا الباب والعمدة فيه، ولا يجوز غير هذا النوع لمن قدر عليه لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ قط أنه صلى على الميت الحاضر الشاهد ثم صلى بعده على قبره أو صلى صلاة الغائب عليه.
والنوع الثاني: الصلاة على قبر الميت لمن كان حاضرًا في تلك البلدة أو القرية لكن ما أمكن من الصلاة على ذلك الميت حتى دفن أو كان غائبًا عن ذلك الموضع فلما دخل أخبر بموته فصلى على قبره كما فعل رسول الله ﷺ في صلاته على المسكينة وأم سعد وأم أبي أمامة وطلحة بن البراء ﵃.
النوع الثالث: أن يكون الميت في بلد آخر وجاء نعيه في بلد آخر فيصلون صلاة الغائب على ذلك الميت من المسافة البعيدة أو القصيرة كما فعل رسول الله ﷺ بالنجاشي ومعاوية بن معاوية المزني.
ولا شك ان العمدة في هذا هو النوع الأول والفرض قد يسقط لصلاة المسلمين عليه.
وأما النوع الثاني والثالث فدعاء محض واستغفار للميت على سبيل الأستحباب لا الفرضية.
الوجه الثالث: أن صلاة النبي ﷺ على الميت الغائب فقد روي أنه صلى على أربعة من الصحابة:
[ ٤٨ ]