١ - قال الزيلعي (وغائبان آخران هما زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ورد أنه أيضًا كشف له عنهما أخرجه الواقدي في كتاب المغازي فقال حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة حدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قال: لما إلتقى الناس بمؤتة جلس رسول الله على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال ﵇: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى إستشهد وصلى عليه ودعا له وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ودعا له وقال استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء" وهو مرسل من الطريقين المذكورين (١).
وقال في عون المعبود تعليقا على الرواية السابقة (والحديث مرسل والواقدي ضعيف جدا) (٢).
وهذه الرواية التي ساقها الواقدي لا تثبت صلاة الغائب على زيد وجعفر ﵄ لما يلي:
اولًا: إن هذه الرواية ضعيفة والواقدي ضعيف جدا فلا تصلح للاستدلال.
_________________
(١) نصب الراية ٢/ ٢٨٤.
(٢) عون المعبود ٩/ ١٥.
[ ٢٩ ]
ثانيا: إن المراد بقوله (وصلى عليه) في الموضعين اللذين وردت فيه هو الدعاء له وليست الصلاة المعروفة ويؤكد ذلك أن الروايات الصحيحة في هذه الحادثة لا ذكر فيها للصلاة المعروفة وإنما فيها أن الرسول ﵊ طلب من المسلمين الاستغفار والدعاء لهما. فقد روى الامام أحمد بإسناده عن أبي قتادة ﵁ بعث رسول الله جيش الأمراء وقال عليكم زيد بن حارثة فإن اصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا. قال إمضوا فإن لا تدري أي ذلك خير. قال فإنطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال رسول الله ناب خبر أو ثاب خبر الا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم إنطلقوا حتى لقوا العدو فأصيب زيدًا شهيدًا فاستغفروا له فاستغفرله الناس ثم اخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدًا إشهدوا له بالشهادة فإستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا فإستغفروا له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ..) ورواه النسائي والبيهقي وهو حديث صحيح رجاله ثقات) (١).
_________________
(١) صحيح السيرة النبوية ص ٣٩٢ الفتح الرباني ٢١/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٣٠ ]
وروى الامام البخاري بسنده عن أنس أن النبي نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (١). وليس في هذه الرواية ذكر لصلاة الغائب.
وورد في رواية أخرى عند الواقدي وعند ابن سعد في الطبقات قوله (فصلى عليه رسول الله أي دعا له وقال إستغفروا لأخيكم قد دخل الجنة وهو يسعى) (٢).
وبعد هذا العرض المفصل للروايات الواردة في صلاة الغائب يظهر لنا جليًا أن الروايات الصحيحة والمعتمدة في هذا الباب هي الروايات الواردة في صلاة النبي ﷺ على النجاشي فقط وأما الروايات الأخرى فلا تثبت ولا تصح كما قرر ذلك أهل الحديث.
قال الذهبي في سياق ترجمة النجاشي (وقد توفي في حياة النبي ﷺ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب. ولم يثبت انه صلى ﵊ على غائب سواه) (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٩/ ٥٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ١/ ٢٩٩ وانظر البداية والنهاية ٤/ ٢٤٦، السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٨١.
(٣) سير أعلام النبلاء ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ٣١ ]