بالاستحباب» (١).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهي سنة مؤكدة، وقيل بالوجوب وهو قول قوي» (٢).
سادسًا: آداب صلاة الكسوف، لصلاة الكسوف آداب عظيمة ينبغي العناية بها، ومنها:
١ - الخوف من الله تعالى عند كسوف الشمس أو القمر؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله يخوِّف بهما عباده» (٣)؛ ولحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي - ﷺ - فَزِعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام، وركوع، وسجود رأيته قط
_________________
(١) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٧ - ٢٤٠.
(٢) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، الحديثان رقم ١٧٢٠، و١٧٢١.
(٣) البخاري، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه.
[ ٢٥ ]
يفعله، وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه، واستغفاره» (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «فلعله [- ﷺ -] خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط: كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الطلوع والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (٢)﴾ (٣).
فينبغي للمؤمن أن يخاف من نزول عقوبة عند كسوف الشمس أو القمر، وقد خاف النبي - ﷺ - عند كسوف الشمس، فخرج فزعًا يجرُّ رداءه، وقد كان من هديه - ﷺ - أنه يعتني بما يحدث من الظواهر الكونية التي يجريها الله تعالى ويحثّ
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الذكر في الكسوف، برقم ١٠٥٩، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف برقم ٩١١.
(٢) سورة النحل، الآية: ٧٧.
(٣) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٤٦.
[ ٢٦ ]
الناس على الدعاء والحذر من نزول العقوبات، فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان يوم الريح والغيم عُرِفَ ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرّ بِهِ وذهب عنه ذلك، فسألته فقال: «إني خشيت أن يكون عذابًا سُلِّط على أمتي» ويقول إذا رأى المطر: «رحمة» (١).
وفي رواية: «كان النبي - ﷺ - إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أُرسلت به»، وإذا تخيلت السماء (٢) تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرِّي عنه (٣) فعرفتُ ذلك في وجهه، فسألته فقال: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد:
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ
_________________
(١) ويقول إذا رأى المطر «رحمة» أي هذا رحمة، شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٤٩.
(٢) تخيلت: من المخيلة بفتح الميم، وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة، ويقال: أخالت: إذا تغيمت. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٩.
(٣) سُرّي عنه: أي انكشف عنه الهم، يقال: سروت الثوب وسريته: إذا خلعته، والتشديد للمبالغة.
[ ٢٧ ]
مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١».
وفي رواية عن عائشة ﵂ أيضًا أنها قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى من لهواته، إنما كان يَتَبَسَّمُ، قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَهُ عرفتُ في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال: «يا عائشة ما يُؤمِّنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (٢» (٣).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ذكره لفوائد روايات هذا الحديث: «فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه - ﷺ - أن يعاقبوا بعصيان العصاة،
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية: ٢٤.
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٢٤.
(٣) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر، برقم ١٤، ١٥، ١٦ [٨٩٩].
[ ٢٨ ]
وسروره؛ لزوال سبب الخوف» (١)، وقال - ﷺ -: «نُصِرتُ بالصَّبا وأهلكت عاد بالدَّبور (٢» (٣).
فهذا من هدي النبي - ﷺ - وشدة خوفه من عذاب الله تعالى، وشفقته على أمته، فإذا كانت هذه حاله ﵊ حينما يحدث الكسوف، أو الغيم والريح؛ لأن هذه من آيات الله التي قد تكون دالة على حدوث بلية أو نازلة، أو عذاب، فكيف بحالنا في هذه الأزمان التي كَثُرت فيها المعاصي، والغفلة، والإعراض، واللهو، وغير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيجب علينا أن نلجأ إلى الله - ﷿ - ونلوذ به ونعتصم بحبله في جميع أحوالنا: في الرخاء والشدة، والسراء والضراء، وقد قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى الله إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (٤)، قال العلامة السعدي رحمه
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٩.
(٢) الصَّبا: بفتح الصاد ومقصورة، وهي الريح الشرقية، وأهلكت عاد بالدبور: وهي بفتح الدال، وهي الريح الغربية. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٠.
(٣) مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، بابٌ: في ريح الصبا والدبور، برقم ٩٠٠.
(٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٠.
[ ٢٩ ]
الله: «فلما دعا العباد إلى النظر لآياته الموجبة لخشيته، والإنابة إليه أمر بما هو المقصود من ذلك: وهو الفرار إليه: أي الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا: فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب، وسمى الله الرجوع إليه فرارًا؛ لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب، والأمن والسرور، والسعادة، والفوز، فيفرُّ العبد من قضائه، وقدره، إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلا الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه يكون الفرار إليه» (١).
ولشدة خوف النبي - ﷺ - من الله - ﷿ - بكى في سجود صلاة الكسوف فينبغي الاقتداء به ﵊ (٢).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٨١٢.
(٢) النسائي، كتاب الكسوف، باب القول في سجود صلاة الكسوف، برقم ١٤٩٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٨٠.
[ ٣٠ ]