عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته» (١)، وفي رواية: «إن الله يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمُه» (٢). ولكن لو أتم المسافر الصلاة الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتم في السفر بعد موت النبي - ﷺ -، وأتم عثمان - ﵁ - بمنى (٣)، ولكن ما داوم عليه رسول الله - ﷺ - في أسفاره أفضل بلا شك (٤)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.
(٢) أخرجه ابن حبان من حديث ابن عباس ﵄، ٢/ ٦٩، برقم ٣٥٤، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١١٨٨٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١، برقم ٥٦٤.
(٣) إتمام عائشة ﵂ في السفر رواه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٣ - (٦٨٥)، وإتمام عثمان - ﵁ - في منى رواه البخاري في كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد تنازع العلماء في التربيع [في السفر] هل هو محرم أو مكروه؟ أو ترك الأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء؟ على خمسة أقوال: «أحدها: قول من يقول: الإتمام أفضل، كقولٍ للشافعي، والثاني: قول من يسوي بينهما كبعض أصحاب مالك، والثالث: قول من يقول القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد، والرابع: قول من يقول: القصر واجب، كقول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأظهر الأقوال: قول من يقول: إنه سنة والإتمام مكروه؛ ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٩، ١٠، ٢١ - ٢٢.
[ ٣٤ ]
عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أصل الصلاة ركعتان كما فرضها الله تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من الله، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم الناس» (١).
_________________
(١) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الأحاديث ذات الأرقام ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، وقال على حديث عائشة ﵂: «إن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر» قال أهل العلم ليس بمحفوظ، بل هو شاذ، والمحفوظ عن النبي - ﷺ - في السفر أنه كان يقصر، فقد خالفت هذه الرواية رواية الثقات كأنس وغيره، لكن فعل عائشة يدل على الجواز كما تقدم، ولكن ما سار عليه النبي - ﷺ - هو أولى وأفضل، وقد كان عثمان يقصر ثم أتم بعد ذلك، وصلى معه بعض أصحابه.
[ ٣٥ ]
وإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها
_________________
(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣ - ٥٤، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٣٨٧.
(٢) اختار العلامة محمد بن صالح العثيمين أن الراجح فيمن نسي صلاة سفر فذكرها في حضر صلاها قصرًا؛ لأنها صلاة وجبت عليه في سفر وصلاة السفر مقصورة فلا يلزمه إتمامها، وعلى هذا فللمسألة أربع صور:
(٣) ذكر صلاة سفر في سفر، يقصر.
(٤) ذكر صلاة حضر في حضر، يتم.
(٥) ذكر صلاة سفر في حضر، يقصر على الصحيح.
(٦) ذكر صلاة حضر في سفر، يتم. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٧ - ٥١٩ و٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣.
[ ٣٦ ]