مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (١).
سادسًا: مسافة قصر الصلاة في السفر: قال البخاري ﵀: «بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس - ﵃ - يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا» (٢)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «قوله: بابٌ في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة» (٣). وقول
_________________
(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٢.
(٢) البخاري، كتاب التقصير، باب: في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم ١٠٨٦، قال الحافظ ابن حجر عن أثر بن عمر وابن عباس: «وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك» فتح الباري، ٢/ ٥٦٦، وقال الألباني عن أثر ابن عباس وابن عمر ﵄: «صحيح وصله البيهقي في سننه، ٣/ ١٣٧: إن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وإسناده صحيح». إرواء الغليل، ٣/ ١٧.
(٣) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.
[ ٣٧ ]
البخاري ﵀: «وسمى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا». قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب» (١)، قلت: وهو قوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (٢)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها». وفي لفظ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم». وعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم». وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (٣). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -
_________________
(١) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٩.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره برقم ١٣٣٨.
[ ٣٨ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (١).
ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٢).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (٣)،وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٤)،
_________________
(١) مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٤١.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، برقم ٥٢٣٣،ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.
(٣) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.
(٤) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان، ٤/ ١٢١.
[ ٣٩ ]
والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ» (١).
والخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلًا فله أن يقصر عند الجمهور (٢)، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن
_________________
(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧،وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: «وإسناده صحيح».
(٢) المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته من الأمور التي اختلف فيه العلماء حتى حكاه ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن العلماء تنازعوا هل يختص القصر بسفر دون سفر، أو يجوز في كل سفر، واختار أن أظهر الأقوال أنه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النبي - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربعة فراسخ، ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد سفرًا مثل: أن يتزود له، ويبرز للصحراء، وتنازع العلماء في قصر أهل مكة، فقيل: كان ذلك لأجل النسك، وقيل: كان ذلك لأجل السفر، وكلا القولين قال به بعض أصحاب أحمد، والقول الثاني هو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم؛ ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر وجودًا وعدمًا. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤ - ١١ - ٤١. والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥ - ١٠٩، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨.
[ ٤٠ ]
عبد الله ابن باز ﵀ يقول (١): «الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم بقول الجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين (٢)، أما البريد والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو
_________________
(١) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧.
(٢) اليومان القاصدان هما أربعة برد، والبريد مسيرة نصف يوم، ومعنى القاصدين: أي لا يسير فيها الإنسان ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، والبريد قدروه بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا، والميل المعروف ألف وستمائة متر، فتكون الأربعة برد =٧٦.٨ كيلو تقريبًا، وقيل: ٨٠.٦٤ كيلو، وقيل: ٧٢، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: والميل المعروف = كيلو وستين في المائة. انظر: الشرح الممتع،٤/ ٤٩٦، تيسير العلام للبسام،١/ ٢٧٣،والفتح الرباني للبنا، ٥/ ١٠٨.
[ ٤١ ]
أو ثمانون كيلو تقريبًا» (١).
وقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: «وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا (٢)، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم وهو
_________________
(١) واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما تقدم أنه لا حدّ للسفر بالمسافة بل كل ما يعد سفرًا يتزود له ويبرز للصحراء فهو سفر، ورجحه العلامة ابن عثيمين، بل واختاره ابن قدامة في المغني. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية،٢٤/ ١١ - ١٣٥،ومجموع فتاوى ابن عثيمين،١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص٦٥.
(٢) ذكر ابن تيمية ﵀: أن حد السفر الذي علق عليه الشارع الفطر، والقصر اضطرب الناس فيه، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل يومين، وقيل أقل من ذلك، حتى قيل: ميل، والذين حددوا ذلك بالمسافة، منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلًا، ومنهم من قال: ستة وأربعون، وقيل: خمسة وأربعون، وقيل: أربعون، فالذين قالوا ثلاثة أيام، احتجوا بحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام، وحديث لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر وابن عباس. مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٨ - ٤٠. وذكر ابن تيمية أيضًا أن ابن حزم قال: «لم نجد أحدًا يقصر في أقل من ميل». فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٤١. وعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩١، وقوله: «ثلاثة أميال أو فراسخ» شك من الراوي، وقال الظاهرية: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٣٤، وسمعت هذا المعنى من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧. وقال ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٠٨: «يحتمل أنه أراد إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال في لفظه الآخر «إن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين» وقال الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٣٣: «المراد من قوله إذا خرج: إذا كان قصده مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفرًا طويلًا فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة».
[ ٤٢ ]