ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف، والمريض مخير في جمع التقديم والتأخير على حسب ما يكون أيسر له، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى (١). والله الموفق (٢).
٦ - الجمع في المطر الذي تحصل به المشقة على الناس؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر». وفي لفظ: «في غير خوف ولا سفر»، فسئل لِمَ
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥ - ١٣٦ والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، والإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٦٠ - ٤٦٢، وفتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، ٢٢/ ٢٩٢، و٢٤/ ١٤، ٢٩.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك وغيره: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج، فيجمع بينهما المريض، وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي » مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ١/ ٤٣٣، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠، وانظر: التمهيد لابن عبد البر، ١٢/ ٢١١ - ٢١٤.
[ ٨٣ ]
فعل ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته» (١). قال المجد ابن تيمية ﵀: «وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر، والخوف، والمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير؛ للإجماع؛ ولأخبار المواقيت، فيبقى فحواه على مقتضاه، وقد صح الحديث في الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض» (٢).
وقال العلامة الألباني ﵀ عن قول ابن عباس ﵄: «في غير خوف ولا مطر» « يشعر أن الجمع في المطر كان معروفًا في عهده - ﷺ -، ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع فَتَأمَّل» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول ابن عباس ﵄ أيضًا: «من غير خوف ولا مطر»، «ولا سفر»: «والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا هذا، وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى؛ فإن
_________________
(١) مسلم، برقم ٧٠٥، وتقدم تخريجه في صلاة المريض.
(٢) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، باب جمع المقيم لمطر أو غيره، ٢/ ٤.
(٣) إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.
[ ٨٤ ]
هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل؛ فإنه إذا جمع يرفع الحرج الحاصل بدون الخوف، والمطر، والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها» (١).
وقد جاء في الجمع بسبب المطر آثار (٢) عن الصحابة والتابعين، فعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» (٣).
وعن هشام بن عروة أن أباه عروة، وسعيد بن المسيب، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكرون ذلك» (٤).
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٧٦.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٢.
(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، برقم ٥، ١/ ١٤٥، والبيهقي، ٣/ ١٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤١، برقم ٥٨٣.
(٤) البيهقي في الكبرى، ٣/ ١٦٨، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.
[ ٨٥ ]
وعن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك» (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جمع في السفر، وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان
_________________
(١) البيهقي في السنن الكبرى،٣/ ١٦٨،وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٤٠.
[ ٨٦ ]
قد جمع بها أيضًا» (١). والله أعلم (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البَرَد» (٣).
والجمع للمطر، ونحوه الأفضل أن يقدم في وقت الأولى؛ لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى؛ ولأنه أرفق بالناس، ولا شك أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا (٤).
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٨٣.
(٢) يذكر بعض الفقهاء عن ابن عمر أن النبي - ﷺ -: جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. قالوا: رواه النجَّاد بإسناده، وذكر الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٩ أنه ضعيف جدًّا. رواه الضياء المقدسي، أما النجاد الذي عُزي إليه الحديث فله مسند، وكتاب كبير في السنن، ولم يعثر الألباني إلى على أجزاء يسيرة من أحاديث ولم يجد الحديث فيها فلعله في الأجزاء المفقودة. الإرواء ٣/ ٤٠.
(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٣.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٦، وفتاوى شيخ الإسلام، ٢٥/ ٢٣٠، ٢٤/ ٥٦، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٦٣.
[ ٨٧ ]