حكم عقود التأمين.
عقود التأمين تشتمل في جوهرها على أمور تجعلها عقودًا محرمة من هذه الأمور ما يلي:
أولا: الغرر:
والنهي عن الغرر أصل عظيم من أصول البيوع يدخل تحته مسائل كثيرة مثل بيع المعدوم وبيع المجهول وبيع ما لا يقدر البائع على تسليمه وبيع ما لم يتم ملك البائع له والأصل في هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر"رواه مسلم٦. الغرر: الخطر.
والغرر مناط البطلان عند جميع العلماء٧. وهو متحقق في عقود التأمين بشكلٍ ظاهر لا يجادل فيه عاقل، فكل واحد من المتعاقدين لا يدرى كم يعطي ولا كم يأخذ فهو إذا عقد على مجهول فيه مخاطرة عظيمة.
_________________
(١) ٦ صحيح مسلم٣/١١٥٣ كتاب البيوع رقم ٤ بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية- بمصر. ٧ انظر النووي على مسلم ١٠/١٥٦-١٥٧ طبعة -المطبعة المصرية- والمقدمات الممهدات لأبى الوليد بن رشد ٢/ ٢٢٢ طبعه- مطبعة السعادة - بمصر وبداية المجتهد ٢/١٥٣ الناشر- مكتبة الكليات الأزهرية-.
[ ٧٤ ]
وقد أورد التقنين المدني عقد التأمين ضمن العقود الاحتمالية أو عقود الغرر وبيان ذلك أن المُؤَمن والمُؤَمن له لا يعرفان وقت إبرام العقد مقدار ما يأخذ كل منهما ولا مقدار ما يعطي كل منهما إذ أن ذلك متوقف على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها١.
من هنا نعلم أن وجود الغرر والمخاطرة في عقود التأمين من الأمور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بل إن الغرر والمخاطرة فيها أبين وأظهر من مثل صورة بيع الحصاة٢وبيع المنابذة٣ وبيع الملامسة٤ وغيرها مما ورد فيه النهى الصريح لما فيها من الغرر الظاهر.
ومن الغرر أيضًا في عقد التأمين الجهل بأجل العقد وذلك أن الخطر وهو محل عقد التأمين لا يعلم هل يقع أم لا؟ وإن وقع فلا يعلم متى يقع؟ وعدم العلم بوقوعه ووقت وقوعه من شروط العقد الواجبة في التأمين وهو أن يكون الخطر غير محقق الوقوع وهذا هو العنصر الجوهري في عقد التأمين٥.. فأي غرر أكثر وأشد مما في هذا العقد..
ومن العجيب أن يغالط بعض المنتسبين إلى الفقه فينازع في أن التأمين من العقود الاحتمالية كما فعل مصطفى الزرقا٦ مع وضوحه كما تقدم.
شبه المخالفين في الغرر في عقد التأمين والرد عليها:
١- قال بعضهم أنه ليس من عقود الغرر المحرمة بدعوى أن ما ألفه الناس وتعارفوا عليه دون ترتب نزاع يكون غير منهي عنه٧
وهذه دعوى باطلة فإن التراضي بين المتعاقدين لا يصير العقود المحرمة حلالًا وقد كانت كثير من صور عقود الغرر مألوفة في عهد الجاهلية ومع ذلك نهى الشرع عنها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ
_________________
(١) ١ انظر الوسيط ٧/ ١١٤٠ وأصول الفقه الإسلامي ٤٦١. ٢ انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ. ٣ انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ. ٤ انظر من فقه السنة ص ٣٦-٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ. ٥ انظر الوسيط ٧/ ١٢١٨. ٦ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١. ٧ انظر بحث التأمين للشيخ علي الخفيف ص ٦ وعقود التأمين لمحمد سلام مدكور مجلة العربي العدد ١٩٥.
[ ٧٥ ]
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ ١. والمعنى تجارة لا غرر فيها ولا مخاطرة ولا قمار وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم ٢..
ومن المعلوم أن اتفاق المتعاقدين على المعاملات الربوية وتراضيهما عليها وكون ذلك لا يؤدى إلى نزاع بينهما لا يجعل هذه المعاملات مشروعة فكذا هنا.
٢- دعوى أن عقود التأمين من قبيل التعاون بين مجموعة من الناس وفي التعاون والتبرع يغتفر الغرر الكثير استنادا لقول مالك ﵀ في تصرفات الإحسان الذي لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء٣. وبناء على ذلك حاولوا أن يجعلوا عقد التأمين من هذا الباب كما فعل السنهوري حيث ذكر أن التأمين لا يفهم على الوجه الصحيح إلا إذا نظر إلى الجانب الآخر وهو جانب العلاقة بين المُؤَمن ومجموع المُؤَمن لهم حيث يكون المُؤَمن وسيطًا بينهم ينظم تعاونهم جميعًا على مواجهة الخسارة التي قد تصيب بعضهم ٤. يقول السنهوري عن الجانب الآخر من عقد التأمين - على حد تعبيره- "إنه يبر ز التأمين في ثوبه الحقيقي ويبين أنه ليس إلا تعاونًا منظما تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون، وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم هذا التعاون على أسس فنية صحيحة فالتأمين إذًا هو تعاون محمود، تعاون على البر والتقوى يبر به المتعاونون بعضهم بعضًا ويتقون به جميعًا شر المخاطر التي تهددهم فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟ "٥.
وقد استند على قول السنهوري هذا كل المشاغبين على مسألة وجود الغرر في عقود التأمين.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٢٩ ٢ انظر الأم ٣/ ٢-٣ للإمام الشافعي وبهامشه مختصر المزني - طبعة دار الشعب - والمقدمات الممهدات٢/ ٢٢٢. ٣ انظر الفروق للقرافي ١/١٥٠ بهامشه تهذيب الفروق - دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت وبداية المجتهد ٢/٣٢٧ والمغنى لابن قدامة ٥/٦٥٧ الناشر- مكتبة الجمهورية العربية- بمصر ومكتبة الرياض الحديثة-. ويجب أن يعلم أن مذهب مالك فيما يستباح فيه الغرر يشترط أن يكون من باب الإحسان المحض حاليًا من أي صفات المعاوضة أي تكون الرغبة محضة لتصد الهبة والتبرع وليس عقد التأمين هكذا. ٤ انظر مصادر الحق في الفقه الإسلامي ٣/ ٣٢-٣٣ والوسيط ٧/ ٠٨٩ ١ وكلاهما للمذكور. ٥ ١لوسيط ٧/١٠٨٧.
[ ٧٦ ]
فهذا مثلًا علي الخفيف يقرر نفس المعنى في بحثه عن التأمين١. وكذا محمد سلام مدكور حيث يقول: "إن شركات التأمين تقوم بدور الوسيط بين الأفراد المتعاونين"٢. والزرقا حيث يقول: "إن التأمين قائم على فكرة التعاون على جبر المصائب والأضرار الناشئة من مفاجآت الأخطار"٣.
ولو سلمنا القول بما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ فلا يصلح مستندًا لما ذهبوا إليه البتة لأنها لا تصح أبدًا دعواهم أن عقد التأمين من قبيل التبرعات بل هو عقد معاوضة محضة ويتضح ذلك من التعريف القانوني لعقد التأمين٤.فليس هناك شك أن عقد التأمين عقد معاوضة بين متعاقدين يلتزم بمقتضاه كل منهما بعوض مقابل ما يلتزم به الآخر وإذا كان كذلك فلا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهية ما في عقد التأمين من غرر كثير وكبير ولا تعدو هذه الدعوى أن تكون مغالطة بعيدة عن الواقع الحقيقي لعقد التأمين.
ولا يجادل عاقل في أن مقصد شركات التأمين إنما هو تحقيق الربح الوفير لها من جراء اتجارها بدعوى توفير الأمن للمتعاقدين معها فلا يصح بحال دعوى أن هذه الشركات ليست إلا الوسيط الذي ينظم التعاون إنها مغالطة للواقع.
٣- حاول الزرقا دفع الغرر عن عقد التأمين بدعوى أن في عقد التأمين معاوضة محققة النتيجة فور عقده.. وأن الاحتمال فيه بالنسبة للمُؤَمن إنما هو بالنظر إلى كل عقد على حدة وأما بالنظر إلى مجموع العقود فإن التأمين يعتمد على أساس إحصائية تنفي عنه الاحتمال عادة.. وأما بالنسبة إلى المستأمن فإن الاحتمال معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة الحقيقة في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه وهو حاصل بمجرد العقد لأنه بهذا الأمان لم يبق بالنسبة إليه فرق بين وقوع الخطر وعدم وقوعه٥.
وهذه المحاولة غير صحيحة أما بالنسبة للمُؤَمن فكل عقد يجريه فيه غرر كبير يوجب بطلانه والتحايل بلفت النظر إلى مجموع العقود لا يصح فإنه ليس له وجود في الخارج وإنما الذي له وجود هو العقد الغرر وهو يتضمن غررًا كبيرًا من الجانبين.
_________________
(١) ١ ص ٥٩ وما بعدها. ٢ انظر مجلة العربي العدد ١٩٢. ٣ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١ وما بعدها. ٤ تقدم في أول البحث. ٥ انظر أصول الفقه الإسلامي صر ٤٠٢ وما بعدها.
[ ٧٧ ]
ومقتضى قوله بالصحة بالنظر إلى مجموع العقود يلزم منه أن العقد الباطل في ذاته إذا انضم إليه غيره مما يشبه في البطلان صار بهذا الانضمام صحيحًا وهو لازم باطل لا وجه له عند أحد من فقهاء المسلمين.
على أن دعوى زوال احتمال الغرر من مجموع العقود مغالطة ظاهرة فشركات التأمين لا يمكن أن تعرف مجموع ما سوف تأخذ وما تعطى وإنما تستعين بالإحصائيات لمعرفة صورة تقريبية وهذا لا ينفي عنها عنصر الاحتمالية هذا وهناك أحداث وأخطار غير متوقعة تقلب كل توقعات المُؤَمنين فكيف يقال إنه يعتمد على أسس إحصائية تنفي عنه الاحتمال؟ وحاصل ما تقدم أن الغرر الكبير في عقود التأمين موجود رغم كل ما قالوه حتى بالنسبة لمجموع العقود وهذا يقتضي بطلانها على أية حال.
وأما بالنسبة للمُؤَمن له فالغرر متحقق لديه وقت العقد في أنه لا يدرى ماذا سيعطى وماذا سيأخذ وهذا كاف للحكم ببطلانه.. ودعوى أن القسط في مقابل الأمان دعوى غير صحيحة ذلك أن عقد التأمين مذكور فيه أن القسط في مقابل مبلغ والتأمين هكذا يقول شراح القانون١.
وأما الأمان فلا يقدر عليه إلا الله وشركات التأمين لا تستطيع أن تضمن عدم وقوع الخطر وإنما تعوض عن بعض آثاره بعد وقوعه.
وقول الزرقا: "لم يبق بالنسبة إليه- أي المُؤَمن له- فرق بين وقوع الخطر وعدمهالخ " مغالطة ظاهرة وهل يعقل ذلك فيمن يُؤَمن على حياته أو على أعضائه؟ أيستوي عنده أن يفقد حياته وأعضاءه أو أن يبقى حيًا معافى؟ لا يستويان فكل هذا إنما هو تحايل ومغالطة لنفي الغرر من عقود التأمين وهو متحقق فيها على أية حال.
ومن خلال النظر إلى أركان هذا العقد وشروطه كما تقدم تصويره لا يراودنا أدنى شك في بطلانه.. ولا اعتبار بعد ذلك لأي دعاوى تتعلق في أمر خارج عن هذه الأركان والشروط لأن العبرة في الحكم على العقود إنما هو بالنظر إلى ما تضمنته من أركان وشروط.
_________________
(١) ١ انظر الوسيط ٧/ ١١٣٩.
[ ٧٨ ]