ويعرف عقد التأمين بأنه عقد يلتزم المُؤَمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المُؤَمن له مبلغًا من المال أو مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المُؤَمن له للمُؤَمن٢.
ويعتبر ابن عابدين (ت١٢٥٢ هـ) من أول من تكلم عن التأمين وحكمه في الشريعة الإسلامية وأطلق عليه اسم (سوكرة) وانتهى إلى أنه عقد لا يحل حيث قال: "مطلب مهم فيما يفعله التجار من دفع ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته ويدفعون أيضًا مالًا معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال سوكرة على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم "٣.
وفي العصر الحديث انتشرت شركات التأمين في بعض بلدان المسلمين واجتهد المروجون لها في سبيل استصدار فتوى شرعية بجوازه من بعض المحسوبين على الفقه والفقهاء من ذلك ما جاء في جواب محمد عبده لسؤال أحد مدراء شركات التأمين عن رجل اتفق مع جماعة على أن يعطيهم مبلغًا معلومًا في مدة معينة على أقساط معينة للاتجار به فيما يبدو لهم فيه الحظ والمصلحة وأنه إذا مضت المدة المذكورة وكان حيًا يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة وإن مات في خلالها تأخذ ورثته المبلغ المذكور مع الربح الذي نتج مما دفعه.
_________________
(١) ٢ انظر الوسيط ٧/١٠٨٥. ٣حاشية ابن عابدين (رد المحتار ٤/١٧٠) الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ طبعة مصطفى الحلبي.
[ ٧٢ ]
فأجاب بأن ما ذكر يكون من قبيل شركة المضاربة وهي جائزة ١
وواضح من السؤال أن المسئول عنه عقد تأمين ليس من باب المضاربة في شيء فهو يدفع أقساطا معينة هي أقساط التأمين وقول السائل للاتجار به إنما هو للتمويه والتضليل، وقولهم: "إذا مضت المدة المذكورة وكان حيًا يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة "هذا هو مبلغ التأمين وهو هنا لا يذكر إلا الربح فقط٢، ومن المعلوم أن المال في المضاربة خاضع لمبدأ الربح والخسارة.
وقولهم: "وإن مات في خلالها تأخذ ورثته المبلغ المذكور" ظاهره أنه يأخذ الوارث أومن يقوم مقامه المبلغ كاملا مع أن الرجل قد مات في خلال المدة قبل أن يوفي جميع الأقساط وهذه حقيقة التأمين المبني على الغرر والمقامرة حيث يأخذ الورثة مالا لم يدفعه مورثهم.
وقد علق الدكتور عيسى عبده على السؤال ببيان المكر في صياغته حيث أنه لم يعرض للعناصر الأساسية للتأمين التي منها أنه في التأمين على الحياة تلتزم الشركة المُؤَمنة بدفع رأس مال العقد كاملا إن حصلت الوفاة أثناء سريان العقد وإن كان المستأمن قد دفع قسطا واحدًا من عشرات أو مئات الأقساط التي كان سيدفعها لو امتد به الأجل، وأيضًا لم يعرض السؤال لنوع الربح الذي يعوِد على المستأمن أهو جزء من الربح الذي تحققه الشركة بتشغيل أمواله أو هو قدر محدد سلفًا والواقع أن جميع شركات التأمين تحسب الربح على جملة الأقساط وجملة الفترات الزمنية أما السؤال ففيه إبهام مقصود وتلويح بما يشبه المضاربة الشرعية ٣.
هذا وقد تبع محمد عبده في فتواه عدد من المحْدثين فقالوا بجواز التأمين ومن هؤلاء
_________________
(١) ١ انظر عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي لمحمد بلتاجي ص ٢٦ و٢٧ الناشر دار العروبة الكويت١٤٠٢ هـ والتأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه لمحمد الدسوقي ص ٧٥ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٧ هـ. ٢ لم يأت ذكر للخسارة مع احتمال حصولها والذي يظهر أنه ربح محدد عند التعاقد بنسبة معينة ويزيد الأمر وضوحًا رأى محمد عبده في أن ربا النسيئة لا يكون إلا في الديون ولا يكون في العقود عند إنشائها فقد جاء في تفسير المنار ٣/٩٧ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه لا يدخل في الربا الجلي المحرم بنص القرآن من يعطى آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظًا معينًا. وهذا وإن كان من صياغة تلميذه رشيد رضا إلا أنه أقره كما جاء في مقدمة التفسيرِ المذكور ١/١٥ أن أستاذه الشيخ كان يقرأ ما يكتبه عمه ويقره. وقد تبعه في هذا الرأي تلميذه رشيد رضا انظر كتابه الربا والمعاملات في الإسلام ومحمود شلتوت انظر مجلة لواء الإسلام العددان ١١و١٢ وعبد الكريم الخطيب انظر مجلة البنوك الإسلامية عدد ١١ وغيرهم. ومقتضى ما تقدم أن محمد عبده يحلل القرض بفائدة ولذا لم يتوقف بالإجابة بالجواز فيما سئل عنه في شأن العقد المذكور. ٣ انظر التأمين لعيسى عبده ص ٣١ دار البحوث العلمية بالكويت.
[ ٧٣ ]
الدكتور محمد يوسف موسى١ والشيخ على الخفيف٢ والدكتور محمد البهى٣ ومصطفى الزرقا ومحمد سلام مذكور وعبد الرحمن عيسى.. وغيرهم٤.
وقد أبدى بعضهم تحفظات على شيء من فروع التأمين وجزئيا ته فاشترط محمد يوسف موسى أن تخلو المعاملة فيه من الربا ورد عبد الرحمن عيسى على بعض صور التأمين على الحياة كما رد محمد سلام مذكور بعض الشروط التعسفية٥.. إلا أن هذا لا ينافي أن الرأي عندهم حل التأمين في الجملة..
ويستدلون لقولهم بجوازه بقياسه على بعض العقود الجائزة ولو عند بعض الفقهاء وسنعرض لذكرها والرد عليها في المباحث التالية:
_________________
(١) ١ انظر الإسلام والحياة ص ٢١٦ وهو من تأليف المذكور. ٢ انظر بحث التَأمين له المقدم لندوة التشريع الإسلامي بالجامعة الليبية عام ١٣٩٢ هـ. ٣ انظر له رأى الدين بين السائل والمجيب ص ١٨٦ وما بعدها- دار الفكر- ١٣٩٢ هـ. ٤ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٢ وما بعدها طبع بواسطة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالقاهرة عام ١٣٨٢ هـ وهو مجموعة البحوث المقدمة للمؤتمر الذي عقد بدمشق ١٦ ـ٢١شوال ١٣٨٠هـ. ومجلة العربي العددان ١٩٢، ١٩٥ والمعاملات الحديثة لعبد الرحمن عيسى. ٥ انظر المراجع المتقدمة.
[ ٧٤ ]