لقد انتهى أكثر الباحثين في التأمين إلى أن عقود التأمين عقود محرمة إلا أن بعضهم استظهر جواز عقد التأمين التعاوني وفرق بينه وبين التأمين التجاري معتمدًا على بعض الشواهد والفروق وقالوا إنه يمكن إيجاد نظام تأمين تعاوني يتفق مع نصوص الشريعة وقواعدها٢.
وقد استدلوا لذلك بالنصوص الآمرة والمرغبة بالتعاون على البر والتقوى والتواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المسلمين.
_________________
(١) ٢ من هؤلاء الشيخ محمد أبو زهره وبحثه في أصول الفقه الإسلامي ص ٥٢٦ ومحمد الدسوقي في كتابه التأمين وموقف الشريعة منه ص ٣٩ ١ وما بعدها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة عام ٣٨٧ اهـ. وحسين حامد حسان في كتابه حكم الشريعة في عقود التأمين ص ١٣٦ وما بعدها دار الاعتصام. وعباس حسنى في كتابه عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ص ٧٣ ومحمد بلتاجى في كتابه عقود التأمين ص٢٠٠ وما بعدها.
[ ٩٢ ]
كما ذكرت بعض الشواهد الواردة في هذا المجال وهى كالتالي:
ا- حديث جابر بن عبد الله أنه قال: "بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد١ فأمر أبو عبيدة بازواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مِزوَدَى تمر فكان يقوتناه كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة "الحديث متفق عليه٢.
وجمع الطعام في السفر يدخل في النهد والتناهد هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة وقيده بعضهم بالسوية وبالسفر ولعل هذه أصله- خلط الزاد في السفر- لكن قد يتفق حصوله في الحضر٣. وقيده ابن الأثير بسفر الغزو فقال: "ما تخرجه الرفقة عند المناهدة إلى العدو وهو أن يقسموا نفقتهم بينهم بالسوية حتى لا يتغابنوا ولا يكون لأحدهم على الآخر فضل ومنة"٤.
٢- حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خفت أزواد القوم وأملقوا٥ فأتوا النبي - ﷺ - في نحر إبلهم فأذن لهم فلقيهم عمر فاخبروه فقال ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النبي –ﷺ - فقال يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله -ﷺ -: "ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم فبُسط لذلك نِطع وجعلوه على النطع فقام رسول الله -ﷺ - فدعا وبرك عليه٦ ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى٧ الناس حتى فرغوا " الحديث متفق عليه٨.
٣- حديث أبى موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي -ﷺ -: "إن الأشعريين إذا أرملوا٩ في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم" متفق عليه١٠.
_________________
(١) ١ أي كاد يفنى. ٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم ٢٤٨٣ ومسلم ٣/١٥٣٧ صيد رقم ٢١ واللفظ للبخاري. ٣ انظر فتح الباري ٥/١٢٩. ٤ النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/١٣٥ تحقيق الطناحى طبعة عيسى الحلبي. ٥ أملقوا: أي افتقروا. ٦ برك: عليه: أي دعا بالبركة. ٧ إحتثى: من الحثى وهو الأخذ بالكفين. ٨ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم الحديث ٢٤٨٤ وصحيح مسلم ٣/١٣٥٤-١٣٥٥القطة رقم الحديث ١٩ وروى نحوه عن أبى هريرة ١/٥٥-٥٦ كتاب الإيمان رقم الحديث ٤٤. ٩ أرملوا: أي فني زادهم وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ البلد/١٦. ١٠ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨-١٢٩ رقم ٢٤٨٦ ومسلم ٣/٩٤٤ ا-١٩٤٥ فضائل الصحابة رقم ١٦٧
[ ٩٣ ]
والأحاديث في هذا الباب تدل على أنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة١ وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين ولأن الذي يوضع للأكل سبيله المكارمة لا التشاح وقد اغتفر الربا في النهد لثبوت الدليل على جوازه٢ وذلك أن الشخص قد يأكل أكثر أو أقل مما أخرج وكذلك في القسمة قد يكون ما يقسم للشخص أكثر أو أقل ما أخذ منه لكنه اغتفر هذا الفضل للدليل الدال على جوازه.
وما حصل فيما ذكر لم يتم عن طريق التعاقد والالتزام بين أطراف في هذا التعاقد بدفع شيء معين أو غير معين مقابل التزام آخر وإنما يتم عن طريق المواساة في أوقات الحاجة والمجاعة.
وكذلك ليس فيما ذكر إرادة المبايعة والبدل وإنما يفضل بعضهم بعضًا بطريق المواساة.. فما ذكر في هذه الأحاديث إنما هو خلط الزاد في السفر والإقامة من باب الإيثار والمواساة وطلب البركة٣ فلا يصلح أن يستدل بها لإنشاء عقد تأمين بدعوى أنه تعاوني وليس تجاري.
والذي يظهر أن ما ورد في هذا إنما هو حالة استثنائية خاصة فيمكن أن يطبق حكمها على ما يماثلها فقط ولا يصح أن تجعل قاعدة عامة يبنى عليها تنظيم عام وهذا ما يدل عليه تقييد العلماء للنهد بما تقدم كما يدل عليه الحالات التي حصلت فيها الشواهد المذكورة.
ثم إنه لا عبرة بتسميته تأمين تعاوني وإنما العبرة بالكيفية التي يتم بها هذا الشيء فإن كان على سبيل التبرع والإحسان بحيث لا يلزم أحد بدفع أقساط معينة بل كل يدفع ما شاء متى شاء وكذلك لا يلتزم له بدفع تعويض عن خطر ما وإنما يواس ويجبر دون التزام له بذلك فإن كان بمثل هذه الكيفية فلا بأس به إن شاء الله و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ويغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في غيرها.
وأما إن كان عن طريق التعاقد بان يلتزم كل واحد بدفع أقساط معينة ويلتزم له
_________________
(١) ١ في حديث سلمة لم يذكر فيه التسوية في القسمة إلا أن يقال إن مثل هذا داخل في موضوع المعجزات فلا يستدل به لهذا الباب أصلا وهذا هو الظاهر. ٢ انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩ وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٤٠ و. ٥ للعيني الناشر دار الفكر. ٣ يدل لهذا ما رواه أبو عبيد في الغريب عن الحسن قال: "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم " انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩وقال العيني: " وحكى عن عمرو بن عبيد عن الحسن فساقه وزاد "وأطيب لنفوسكم " عمدة القاري ١٣/ ٤٠والله أعلم بالصواب.
[ ٩٤ ]
بتعويض لما يصيبه فهذا لا يُخرِجه عن صورة العقد المحرم كونه يراد منه التعاون والتكافل وكذا لا يغير من الحقيقة شيئًا تسميته عقد تأمين تعاوني أو إسلامي أو غير ذلك فالعبرة بجوهره وحقيقته وهي هنا التزام بما لا يلزم ومشتمل على شبهة المحاذير السابقة.
والذي يظهر من كلام المجوزين للتأمين التعاوني أنهم يريدون إنشاء تعاقد في هذا المجال يدل على هذا تسميته عقدًا حيث يوحي بأنه التزام كما يدل عليه أيضًا وصفهم له بأنه تبادلي. يقول: الدكتور محمد بلتاجي: "لابد أن يكون تعاونيًا وتبادليًا لأن لكل من المشتركين فيه أصلًا نفس الحقوق والواجبات "١ فوصفه بأنه تبادلي يقتضي أنه عقد معاوضة لأن البيع هكذا أصله مبادلة مال بمال٢.
ومن ذلك أيضًا ما يرد في كلامهم عن التأمين التعاوني من قولهم:"أطراف التعاقد". "نظامًا تعاقديًا". "ومن ثم يتفقون فيما بينهم على قسط الإسهام ونوع الخطر المُؤَمن منه ومبلغ التأمين"٣.
يقول محمد بلتاجي: "يصبح الاتجاه إلى تكون التعاونيات الإسلامية أمرًا مطلوبًا ليس لأنه بديل عن الزكاة والصدقات والتزام بيت المال بل هو يؤازرها بتعاقدات ااختيارية "٤.
ويقول: "فهل هناك مانع من قيام نظم تعاقدية اختيارية تؤازر هذا النظام؟ إن ذلك فيما نرى أمر مطلوب"٥.
فكل هذه التعبيرات وغيرها تدل على أنهم يعنون بالتأمين التعاوني ما يتم عن طريق التعاقد الذي يلتزم فيه المستأمن بدفع أقساط معينة ويلتزم له بدفع تعويض عن آثار خطر ما وهو بهذه الكيفية لا يخرج عن صورة عقد التأمين الممنوع ولا يفيد كونه يراد منه التعاون أو يسمى تعاونيًا كما لا يفيد أيضًا وصفه بأنه اختياري فما يسمون عقد تأمين تجاري يكون اختياريًا وهم لا يجوزنه فكذلك ما يسمونه تعاونيًا بل إن عقد الربا يكون اختياريًا بين أصحابه ولا يحله ذلك وبهذا يتبين أن مثل قولهم "تعاقدات اختيارية" لا معنى منه.
_________________
(١) ١عقود التأمين ص ٢١٥. ٢ انظر المصباح المنير ١/٧٧ طبعة مصطفى الحلبي. ٣ عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي ص ٢٣٣. ٤ المصدر السابق ص ٢٣٦. ٥ المصدر السابق ص ٢٤١.
[ ٩٥ ]
وأما دعوى قيام الحاجة إلى مثل هذا العقد١ فهي في ظل الإسلام لا تعد أن تكون خرافة لا أساس لها فعند التطبيق الكامل للإسلام لن يكون هناك حاجة إليها أبدًا والذين يدعونها ينطلقون فبتقديراتهم من واقع مجتمعات لا تطبق الإسلام في الأموال فلو طبق لما قامت الحاجة المدعاة كما لم تقم هذه الحاجة في الماضي عندما كان يطبق نظام الإسلام كاملا.
هذا ما انتهيت إليه فيما يسمى التأمين التعاوني مع التسليم بأن التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات إلا أن التبرعات تتم من طرف واحد دون التزام من الطرف الآخر وكذا ما يتم بطريق المواساة في أوقات المجاعة كما في الأحاديث المتقدمة وما لم ير فيه المسلمون بأسًا من النهد لأن ما يقدم للأكل مبني على المكارمة لا التشاح فكل ذلك يدل على جواز ما يتم من طريق التبرع والإحسان والمواساة والمكارمة- وخلط الإزواد في السفر لأجل ذلك وطلبًا للبركة- لكن لا يدل هذا على جواز إنشاء عقود تبادلية فيها التزامات من أطراف العقد ولو كان القصد منها التعاون لأن جوهرها في الحقيقة معاوضة مادامت مبنية على تعاقد والتزام من أطراف التعاقد وهو التزام بما لا يلزم وترد عليه شبهة المحاذير السابق بيانها والله ﷾ أعلم وصلى الله وسلم - وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله..
_________________
(١) ١ انظر المصدر السابق ٢٣٢.
[ ٩٦ ]