احتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم
حاول المخالفون في تحريم عقد التأمين أن يطبقوا عليه بعض القواعد العامة أو أن يقيسوه على بعض الصور في الفقه الإسلامي بشكل عام وهذا ما سأتناوله في النقاط التالية:
١- أن عقد التأمين عقد جديد
فهو جائز بناء على أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه٣ وأن الشريعة تركت الباب مفتوحًا للناس أن يحدثوا أنواعًا جديدة من العقود إذا دعت الحاجة لها بشرط أن تتوفر فيها الأركان والشروط العامة المعتبرة في العقود وفي هذا الصدد يمثل الزرقا بعقد بيع الوفاء وأنه أشبه بواقعة عقد التأمين فعقد بيع الوفاء "عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة لأنه يخفي وراءه أنواعا من الربا المستور وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغًا من
_________________
(١) ٣ في هذا خلاف أصولي لا مجال لذكره هنا راجع إن شئت الإحكام في أصول الأحكام لا بن حزم ١/٥٢ وما بعدها - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت. والقواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٨٤ وما بعدها تحقيق الفقي - مطبعة السنة المحمدية -.
[ ٨٢ ]
النقود ويسميه ثمنًا لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسميه مشتريًا للعقار لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد أي فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة"١.
وقد اختلف الفقهاء فيه وقت ظهوره فمنهم من أعتبره بيعًا فاسدا لاقترانه بشرط مفسد للعقد. ومنهم من أعتبره بيعًا صحيحًا وأبطل الشرط وحده واعتبره لغوا. ومنهم من نظر إلى الهدف من هذا العقد والشرط فاعتبره في معنى الرهن الذي يشترط فيه المرتهن الانتفاع بالشيء المرهون فأبطل شرط الانتفاع بالمرهون وأبقاه رهنًا لأن العبرة في التصرفات للمقاصد. إلا أنه استقرت الفتوى في المذهب الحنفي بعد ذلك على أنه عقد جديد ذو خصائص مختلفة عن هذه العقود الثلاثة لذا قرروا له أحكامًا مستمدة منها جميعًا.
والمقصود من هذا أن قضية عقد التأمين تشبه بيع الوفاء من ناحية أن بيع الوفاء شاهد تاريخي واقعي في الفقه على جواز إحداث عقود جديدة وإن تعرض في أول نشأته لمثل ما تعرض له اليوم عقد التأمين من اختلاف٢
والرد على ذلك أن وجه الحرمة في عقد التأمين ليس لأنه عقد جديد يختلف عن العقود المعروفة لدى فقهاء الشريعة الإسلامية بل وجه الحرمة فيه ما يتضمنه من غرر وربا وقمار وبيع دين بدين كما تقرر، وبناء على هذا فهذا العقد الجديد غير جائز لا لأنه جديد بل لأنه تضمن أمورا تقتضي بطلانه.
وليعلم أنه من المتفق عليه عند القائلين إن الأصل في العقود الإباحة تقييد ذلك بأن لا يرد الشرع بتحريمه وعليه فقد اشتمل عقد التأمين على عدة أمور ورد الشرع بتحريمها فلا يندرج عقد التأمين تحت هذا الأصل القائل بأن الأصل في العقود الإباحة حتى على تقدير رجحانه على القول بأن الأصل فيها الحظر إلا ما ورد الشرع بإباحته. وغنى عن البيان القول بأن عقد الوفاء مختلف عن عقد التأمين في موضوعه وهذا ما سلم به الزرقا نفسه٣.
على أن الصواب في بيع الوفاء أنه لا يخرج عن أن يكون بيعًا أو رهنا اقترن به شرط فاسد والحكم فيه هو إبطال العقد بسبب هذا الشرط أو إبطال الشرط وحده على الخلاف
_________________
(١) ١ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٧. ٢ انظر المصدر السابق ص ٣٨٨. ٣ انظر المصدر السابق ص٥١٥.
[ ٨٣ ]
المذكور آنفًا وعلى هذا فليس هنا عقد جديد أصلًا وإنما هو عقد قديم- بيع أو رهن- اقترن بشرط.
والحقيقة أن جر الكلام إلى موضوع إيجاد عقود جديدة إبعاد للمسألة عن مناط الحكم فيها فليس المحذور في عقد التأمين كونه عقدًا جديدًا- كما تقدم - وإنما لأنه تضمن الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وكل هذه الأمور قد اعتبرها الشارع مبطلة للعقود.
[ ٨٤ ]