زعم محمد البهي أن عقد التأمين هو عقد جعالة بين الشركة وجميع المُؤَمنين٣..
ولا وجه لزعمه هذا فالجعالة إجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة الطبيب على البرء والناشد على وجود العبد الآبق.. ويشترط فيها عند من أجازها أن يكون الثمن معلومًا وأن يكون العمل مما لا ينتفع الجاعل بجزء منه.. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٤. وما في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن٥.
فالجعالة إذًا معاوضة بين الجاعل وبن من يعمل العمل.. الجاعل يلتزم بمال معلوم والآخر يقوم بعمل معين فأين هذا من عقد التأمين بين المُؤَمن والمستأمن؟ وأيهما الجاعل؟ وأيهما الذي يقوم بالعمل؟ كل هذا لا ينطبق على عقد التأمين فالتأمين التزام بمال مقابل
_________________
(١) ٣ انظر رأى الدين بيت السائل والمجيب ص١٨٦ وما بعدها. ٤ سورة يوسف آية ٧٢. ٥ انظر بداية المجتهد ٢/ ٢٣٤-٢٣٥ والمغنى ٥/ ٧٢٢ وحديث الرقية بأم القرآن رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري٤/٤٥٣ رقم الحديث ٢٢٧٦ صحيح مسلم ٤/ ١٧٢٧-١٧٢٨ كتاب السلام حديث رقم ٦٥ و٦٦.
[ ٩١ ]
التزام بمال وهذا الالتزام غير معلوم المقدار وفي الجعالة يشترط أن يكون معلومًا.. والالتزام في عقد التأمين لا يقابله عمل وإنما يقابله التزام بمال أيضًا وفي الجعالة يقابل الثمن المعلوم عمل معين فلا يمكن أن يقاس عقد التأمين على الجعالة للاختلاف الظاهر بينهما بوجود مثل هذه الفروق الجوهرية التي تمنع القياس.
وبهذا يتبين أنه ليس هنا مستند صحيح للقائلين بجواز عقود التأمين وقد أغفلت بعض أقوالهم مما لا وجه له ولا يستحق المناقشة.. وفي الحقيقة أن كل ما أثاروه لا قيمة له ولكنها وساوس وشبه أثيرت فلزم البيان.
وقد أصاب السنهوري عندما قال: "لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي فهولا يشبه عقد المضاربة ولا هو كفالة ولا هو وديعة بأجر ولا هو عقد موالاة ولا يدخل في ضمان خطر الطريق ولا في الوعد الملزم ولا في نظام العواقل وإنما التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي١.
وهكذا ننتهي إلى أن عقد التأمين لا يشبه أي عقد من عقود المعاوضة في الفقه الإسلامي وكل ما أثاروه من شبه تبين بطلان الاحتجاج بها وبهذا ننتهي إلى الجزم بتحريم عقود التأمين لتضمنها ما نهى الشرع عنه من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين..
_________________
(١) ١ الوسيط ٧/ ١٠٨٩.
[ ٩٢ ]