وفي هذا يقول عبد الرحمن عيسى: "إن التأمين التجاري يحقق مصالح اقتصادية كبيرة للمجتمع.." وبعد سرد شواهد تدل على اعتبار المصلحة في الشرع يقول: "وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعًا اعتبارًا لما يحققه من المصالح"١..
وبناء الشريعة على مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد أمر معروف ومسلم به لكن المراد بالمصالح ما اعتبرها الشرع كذلك وأما المصالح الملغاة في الشرع فلا اعتبار لها ولو اعتبرها العقل البشرى مصالح. فالأمور المنهي عنها أو التي تتضمن ارتكاب نهى لا اعتبار لما يزعم فيها من مصالح فهي على تقدير وجودها مصالح ملغاة.
وما يزعم في نظام التأمين من مصالح وهي- على تقدير وجودها- مصالح ملغاة لتضمن عقد التأمين أمورًا وردت النصوص القطعية بالنهي عنها والوعيد الشديد عليها من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين كما سبق فإن رأت بعض العقول البشرية في نظام التأمين مصلحة ما فهي مصلحة مهدرة ملغاة شرعا لما تقدم.
وجميع ما نقل عن الصحابة وفقهاء السلف من تقرير أحكام استنادًا إلى المصلحة إنما
_________________
(١) ١ انظر المصدر السابق ص ٤٧٣ وما بعدها.
[ ٨٨ ]
كان ذلك في أمور موافقة لمقاصد الشريعة ولم يرد فيها نص عن الشارع فالمصلحة المعتبرة عندهم ما فهموه من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ولا يستقل العقل بدركه١.. وبهذا يعلم يقينًا أنه لا اعتبار لما يزعم في عقود التأمين من مصلحة لعدم موافقتها لمقاصد الشريعة بل لورود النص بالنهى عما تضمنته هذه العقود من غرر وربا الخ.
_________________
(١) ١ راجع إن شئت المستصفى لأبي حامد الغزالي ص٢٥٠ وما بعدها تحقيق محمد أبو العلا الناشر- مكتبة الجندي - بالقاهرة والاعتصام للشاطيى ٢/ ٦٦ وما بعدها الناشر - دار التحرير للطباعة والنثر-.
[ ٨٩ ]