خلاصة الاحتجاج بالضرورة أن حاجة الناس إلى التأمين قد اشتدت وعظمت وأنه يشق عليهم تركه خوفًا من الكوارث حيث أصبح التأمين ضرورة لحفظ أموالهم وإن لم يكن من ضروريات الناس فإنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة حيث أنهم قد ألفوه وتغلل في جميع نواحي حياتهم فلو منعوا منه لوقعوا في حرج ومعلوم في الشريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير والضرورات تبيح المحظورات٢..
وتقريرهم للاحتجاج على النحو السابق يتضمن اعترافهم بأن عقد التأمين يشتمل على أمور محرمة.
وهذا الاحتجاج يدل على جهل قائله بأصول الشريعة الإسلامية ومبادئها إذ كيف يتصور أن توجد الضرورة إلى نظام كنظام التأمين؟ قد توجد الضرورة في حالات فردية تقدر بقدرها وتقيد بشروطها مثل اضطرار الذي يخشى الهلاك إلى أكل الميتة ومثل هذه الصورة لا تتصور في نظام كهذا النظام.
وإذا عرفنا أن للضرورة حدودًا يعرف بها ما يكون ضرورة في واقع الأمر وما لا يكون وعرفنا معنى الضرورة وأنها ما يرتب على تركه تلف النفس أو العضو فهل الحاجة إلى التأمين من هذا الصنف؟ كلا.
وإذا وجدت ضرورة فإنما تقدر بقدرها كما تقدم وتعتبر أمرًا استثنائيا يزول بزوال الحالة التي ألجأت إليه ولا يمكن أن يجعل قاعدة عامة في صورة نظام عام فإن مثل هذا يستلزم حاجة الشريعة إلى أنظمة وعقود محرمة واعتقاد مثل هذا قد يؤدى بصاحبه إلى الكفر والعياذ
_________________
(١) ٢ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٦٤ و٤٧٦ وما بعدها.
[ ٨٩ ]
بالله لأنه يستلزم الاعتقاد بنقص الشريعة الإسلامية وتكذيب الله ﷿ القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ١.
وحتى الحاجة التي تُنَزّل منزلة الضرورة مشروطة بأن يكون قد شهد لها الشرع بالاعتبار فليس كل ما يسبب حرجًا للناس يستباح به المحظور وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ ٢ قول العلماء: "رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع"٣.
وما من شك أن من استقام على منهاج الشرع واتقى الله ﷿ فلن يجد حرجًا حين يمتنع من عقود التأمين.
والخلاصة أن الاحتجاج بالضرورة لا يصلح دليلًا لإباحة عقود التأمين إذ ليس هناك في الحقيقة ضرورة بالمعنى الشرعي.
_________________
(١) ١ سوره المائدة آية ٣ ٢ سورة الحج آية ٧٨. ٣ تفسير القرطبي ١٢/ ١٠١
[ ٩٠ ]