والفرق بينه وبين الحاكم المنصوب للناس: أن الحاكم قد نصب للقيام بهذا الفرض، وهذا الذي اختاراه لم يلتزم الحكم، ولا الحكم بينهما مفروض عليه، ولو قال قائل: قد تعيّن الفرض على هذا الفقيه المقصود بالسؤال، وعلى هذه الطائفة التي حضرت العدو وإن كان هناك غيرهم ممن فيه كفاية، فلا يجوز لهم الامتناع، ولا أَخْذُ الجُعل عليه كان مذهبًا محتملا، والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: (حقه)، وما أثبته هو الصواب. والله أعلم.
(٢) كذا في الأصل، ويحتمل أن تكون (الغرض) وكلاهما يؤدي المعنى الذي أراده المصنف. والله أعلم.
(٣) في الأصل: (فقيهًا)، وصوابه: (فقية) بالرفع اسم لكان.
[ ٩٨ ]
فإن أهدى العدو إلى سلطان المسلمين هديةً أو رعية سلطان إلى سلطانهم من والي خراج أو صدقات، أو إلى حاكمهم هدية، فإن كافئوا عليها من مالهم فلا بأس أن يتملكوها، وإن كافئوا عليها من مال المسلمين أو لم يكافئوا عليها فالهدية للمسلمين.
[استدلالًا] (^١) بحديث ابن النَّبيَّة (^٢)، فأخبر ﷺ أن ذلك إنَّما أُهدي إليه وستم من أجل عمله لا له في نفسه، فسبيل ذلك إن لم يكافئ من ماله أن يكون في الفيء إن كان على الخراج، أو في الصدقات إن كان على الصدقات، أو في مصالح المسلمين إن كان على [مصالح المسلمين] (^٣)، وهدية، ونحو ذلك لا يجوز له تملكها.
وقد أهدى رسول الله ﷺ إلى ملوك، وأهدي له، ولم يكن ذلك إلا من وستم ماله الذي جعله الله جل ثناؤه له من الفيء وغير ذلك، والله أعلم. هذا آخر كلام الجوري.
وقال ابن أبي عصرون: يَحْرُمُ على القاضي وعامل الصدقة أخذُ الرشوة على الحكم بغير حقٌّ، وكذا على إيقاف الحكم بالحق، وبذلها لذلك حرام، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (^٤) الآية. أما الهدية ممن لم يَجْرِ له عادة فلا يجوز، ويُحكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يكره أخذها (^٥).
_________________
(١) في الأصل: (استدلا)، وما أثبته هو الصواب. والله أعلم.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) بياض في الأصل، ومقتضى السياق يدل على ما أثبته. والله أعلم.
(٤) سورة البقرة، جزء من الآية رقم ١٨٨.
(٥) ينظر: المبسوط (١٦/ ٨٢)، العناية شرح الهداية (٧/ ٢٧٢).
[ ٩٩ ]
فأمّا هديّةٌ من جرت عادته بالهديّة قبل الولاية لقرابة أو صداقة ونحوهما، فإن كان له حكومة لم يجز، وإلا فإن أهدى أكثر أو أرفع لم يجز.
قال: ولو اختصّ المنع بقدر الزيادة كان متّجها، وإن لم يزد فقبولها جائز، حكاه في «المهذّب» (^١) وجهًا واحدًا، وحكاه في «الشّامل» (^٢) على وجهين، وجه المنع: هدايا العمال غلول (^٣)، ورُوي: «سُحت» (^٤)، والأوّل هو المنصوص في «الأمّ» (^٥).
ويجب رَدُّها إذا أخذها إلى مالكها على الأصحّ، وقيل: يكون لبيت المال، وقيل: يُرَدُّ في الصدقات، هذا إذا عُلم المأخوذ منه، أما إذا تعذّر ذلك فيجب ردُّه إلى بيت المال؛ لأنه في حكم الضّالّ (^٦).
وقال أبو علي الطبري (^٧) في «الإفصاح» (^٨): باب الهديّة للوالي، قال الشافعي: أبنا سفيان، عن الزهري، عن أبي حميد، وذكر حديث ابن اللُتْبِيَّة (^٩).
قال الشافعي: وإذا أُهدي إليه شيء فقبِله، لم يَخْلُ من أمور: إِمّا أن يُهدَى
_________________
(١) لأبي إسحاق الشيرازي، ينظر: ٣/ ٣٨١.
(٢) لابن الصباغ، ينظر: (٢٤١).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) رواه الخطيب في تلخيص المتشابه ١/ ٣٣١، من حديث أنسٍ ﵁.
(٥) للشافعي، ينظر: ٣/ ١٥١.
(٦) ينظر: الانتصار لابن أبي عصرون (٢٦٦ - ٢٦٩).
(٧) هو الحسن بن القاسم، أبو علي الطبري، الفقيه الشافعي، وهو أول من صنف في الخلاف المجرد، وله: كتاب (الإفصاح) في الفقه، وكتاب (العدة) وهو كبير يدخل في عشرة أجزاء، توفي ببغداد سنة ٣٥٠ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ١٢/ ١٢٨.
(٨) قال تقي الدين ابن قاضي شهبة ﵀ في طبقات الشافعية ١/ ١٢٨: «وكتابه الإفصاح شرح على المختصر، متوسط، عزيز الوجود». انتهى، ولم أقف عليه مطبوعًا. والله أعلم.
(٩) سبق تخريجه.
[ ١٠٠ ]
إليه على حق كان منه، فقبل العمل فيقبله، فيكون ذلك جائزًا، أو يُهدى إليه على دفع باطل أو إيصال إلى حق، فهذا محرَّمٌ (^١)، وهو الذي قاله ﵇: «الراشي والمرتشي في النار» (^٢).
وإما أن يُهدي إليه رجل من أهل عمله، لا على سبب يُعرف أكثر من ولايته عليهم، نظر، فإن أثابه عليه بمثله كان له قبوله، والمستحبُّ أن يُجعَل في الصدقات، وإن لم يُثبه فقد قال الشافعي: لم يَحِلَّ له عندي إلا وضعه في الصدقات (^٣)؛ لأن ذلك إنَّما وصل إليه بسبب العمالة، وقال بعض أصحابنا: قال الشافعي في «أدب القاضي»: فإن أهدي إليه لم يقبله حتى تذهب خصومته، فإن قبلها بعده لم يكن محرَّمًا (^٤)، قال: فهذا قول ثان في جواز تملكها إذا قبل. انتهى كلام أبي علي الطبري.
وهو يقتضي أن القول المنقول عن «أدب القضاء» غريب عنده. وقال ابن الصباغ في «الشامل»: الرشوة للحاكم والتحامل على الصدقة حرام، وإن أخذ على أن يحكم بالحق لم يكن له ذلك.
وعن الشيخ أبي حامد: إن كان لا يأخذ رزقًا فقال: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضا، جاز، وذكر القاضي مثله (^٥)، ولم يذكر أنه طلب من أحدهما. وينبغي أن يكون أخذه للحكم بالحق يجري مجرى الهدية، وسنذكره (^٦).
_________________
(١) ينظر: الأم ٣/ ١٥٠.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: الأم ٣/ ١٥٠.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٥٣١.
(٥) ينظر: التعليقة، لأبي الطيب الطبري (١٠٤٣).
(٦) انتهى كلام ابن الصباغ. ينظر: الشامل (٢٣٩).
[ ١٠١ ]
قلت: قد تقدم الكلام على هذا (^١).
قال ابن الصباغ: فأما الرائش، فإن طلب بدفعه الرشوة دَفْعَ الحُكم بحق أو إيقافه، حَرُمَ، وإن طلب وصوله إلى حقه، لم يحرم عليه، وإن كان حرامًا على الآخذ.
فأما الهدية؛ فالذي ذكره أصحابنا أنه إذا كان المهدي ممَّن لم [تَجْرِ] (^٢) له عادة قبل القضاء، فالقبول محرَّمٌ؛ لحديث أبي حميد (^٣)، وليس فيه حجة ظاهرة؛ لأنه يجري مجرى أخذ الرشوة؛ لأن العامل قبل الهدية ممن له عليه الصدقة، وإنَّما كلامنا في هدية من لا حكومة له.
وأما من جرت له عادة لقرابة أو صداقة، فإن كان له حكومة لم يقبل، وإلا فالذي نص عليه أنه جائز، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز.
قال الشافعي: فإن أُهدي إليه في غير عمله، كرهت له ذلك، وإن قبل فجائز (^٤)، فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية له، فقال: التنزه أحبُّ إليَّ، ومن أصحابنا من حرمه.
وإذا منعناه من قبولها فماذا يُصنع بها؟ وجهان:
أحدهما: يردُّ إلى بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين.
والثاني: إلى صاحبها؛ لأنه لم يَزُلْ ملكه عنها (^٥). والله أعلم.
_________________
(١) سبق ص ٨٣، والله أعلم.
(٢) في الأصل (تجز) وهو خطأ، وما أثبته هو الموافق لأصل الكتاب. والله أعلم.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: الأم ٣/ ١٥٠.
(٥) انتهى كلام ابن الصباغ. ينظر: الشامل (٢٣٩ - ٢٤١).
[ ١٠٢ ]
وقول صاحب «الشامل»: إن حديث ابن اللتبية (^١) فيما أهداه له من له عليه صدقة محتمل، وليس بنَص، فإن الحديث مطلق ولم يستفسره النبي ﷺ هل هي [غلها] (^٢) من جهة أهل الصدقة أو لا؟ وهل إهداؤها له قبل إعطائهم الصدقة أو بعدها؟ فإن بعد الإعطاء تفرغ ولايته، فيصيرون كالمتخاصمين بعد الخصومة، وترك الاستفصال تنزل منزلة العموم (^٣).
وقال صاحب «البيان»: يحرم على القاضي أخذ الرشوة؛ للحديث (^٤)، ولأنه إن أخذها للحكم بغير الحق فهو محرم، فكذا ما لو أخذ عليه، وإن أخذها ليتوقف عنه فكذلك، وإن أخذها ليحكم بالحق لم يجز؛ لأنه يأخذ الرزق من الإمام.
وإن أهدي إلى القاضي أو عامل الصدقة، فإن لم يكن عادة حَرُمَ، وإن كانت عادة فإن كان له حكومة لم يجز؛ لأن زيد بن ثابت كان يُهدي إلى عمر كلَّ سنة لبنا، ثم استقرض منه من بيت المال، فأهدى زيد لعمر فلم يقبل، وقال: لعله إنما قُدّم لنا لما أقرضناه، فلم يقبل منه حتى قضى دينه (^٥).
وإن لم يكن حكومة، حكى ابن الصباغ وجهين (^٦)، فإن خرج القاضي عن محل ولايته فأهدي إليه، فهل يجوز قبولها؟ فيه وجهان:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) على الصواب بالغين المعجمة - لا بالعين المهملة كما في الأصل ـ، وهو مطلق الأخذ من الصدقة بغير وجه، فحكم عليه بالغلول. والله اعلم.
(٣) ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، هذه القاعدة الأصولية اشتهرت عن الإمام الشافعي ﵀ كما حكاه التاج السبكي في الأشباه والنظائر ٢/ ١٣٧.
(٤) وهو أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» سبق تخريجه.
(٥) هذه القصة ذكرها الماوردي في الحاوي ٥/ ٣٥٨، والروياني في بحر الذهب ٥/ ٧٢، والعمراني في البيان ١٣/ ٣٢.
(٦) ينظر: الشامل (٢٤٠، ٢٤١).
[ ١٠٣ ]
المنصوص: الجواز؛ لأنه هناك كآحاد الرعية. والثاني: لا، كما لا يجوز له أخذ الرشوة هناك.
وكل موضع قلنا: لا يجوز قبول الهدية فقبلها، لا يملكها، وإلى من يردُّها؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى المهدي.
والثاني: يردها إلى بيت المال.
وهو ظاهر المذهب؛ لأنه أُهدي إليه لمكان ولايته يته، وهو منتصب لمصلحة المسلمين، فكأن المهدي أهدى للمسلمين.
وكذلك الوجهان في العامل إذا قبل:
أحدهما: يُرَدُّ على المهدي.
والثاني: يُدخِلُها في الصدقات.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل يملكها المهدى إليه؟ وجهان (^١). انتهى.
وقال الشافعي في «الأم» فيما حكاه ابن الصباغ: «ما أهدى له ذو رحم وذو مودة كان يهاديه قبل الولاية، فالتنزه أحبُّ، ولا بأس أن يقبل ويتمول» (^٢). انتهى.
وينبغي أن يكون التقييد [بتقدم] (^٣) العادة خاصا بذي المودة، ولا يشترط في ذي الرحم، ولكن الأصحاب لم يتعرضوا لذلك، وأطلقوا.
_________________
(١) انتهى كلام صاحب البيان، ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي ١٣/ ٣٠ - ٣٤.
(٢) ينظر: الأم ٣/ ١٥١، الشامل ٢٤٠، ٢٤١.
(٣) في الأصل: (يتقدم)، والأظهر ما أثبته، والله أعلم.
[ ١٠٤ ]