وقد وجدت في «السير الكبير» لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة -رحمهما الله-، تصنيف شمس الأئمة السرخسي - وهو مجلدان - بابا في هدية أهل الحرب أحببت نقله هنا، فإن فيه تصريحًا بما أشرنا إليه من المعنى المقتضي لوضعها في بيت المال، ويحلُّ ذلك، وفيه أيضًا إشارة إلى الفرق بين الهدية والرشوة.
قال: وإذا بعث ملك العدوّ إلى أمير الجند هديةً، فلا بأس بأن يقبلها وتصير فينا للمسلمين؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يقبل هدية المشركين في الابتداء على ما رُوي أنه أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، واستهداه أدما (^١)، ثم لما ظهر منهم مجاوزة الحدّ في طلب العوض أبى قبول الهدية منهم بعد ذلك، وقال: إنا لا نقبل زبد (^٢) المشركين (^٣).
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٨: عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ: «أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة وهو بمكة مع عمرو بن أمية، وكتب إليه يستهديه أدما، فأهداها إليه أبو سفيان». اهـ.
(٢) بسكون الباء؛ أي: العطاء. ينظر: معالم السنن ٣/ ٤١، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٢٩٣.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٣٠٥٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الإمام يقبل هدايا المشركين ٤/ ٦٦٢؛ وأخرجه الترمذي في سننه (١٥٧٧) أبواب السير عن رسول الله ﷺ، باب في كراهية هدايا المشركين ٤/ ١٤٠، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» وقال في معنى قوله: «إني نهيت عن زبد المشركين»، قال: يعني هداياهم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يقبل من المشركين هداياهم وذكر في هذا الحديث الكراهية واحتمل أن يكون هذا بعدما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم. اهـ. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤٢٨) باب المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان، ص ١٩٩، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٧٤٨٢) ٢٩/ ٢٩، وأخرجه المتقي الهندي في كنزل العمال ٣/ ٨٢٣ بلفظ: «إني أكره زبد المشركين». اهـ.
[ ١٣٦ ]
فبهذا تبين أن للأمير رأيًا في قبول ذلك، فإن طمع في إسلامهم فهو مندوب إلى تألفهم، وإن لم يطمع في إسلامهم فله أن يُظهر الغلظة عليهم برد الهدية، فإن قبلها كان ذلك فينًا للمسلمين؛ لأنه ما أهدى إليه لعينه، بل لمنفعته ومَنَعَتِه بالمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين.
وهذا بخلاف ما كان لرسول الله ﷺ من الهدية، فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (^١)، فلهذا كانت الهدية له خاصةً.
ثم الذي حمل المشرك على الإهداء إليه خوفه منه، وطلبه الرّفق به، وبأهل مملكته، وتمكنه من ذلك بعسكره، وكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر، وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قواد المسلمين ممن له عدة ومَنَعَةٌ؛ لأن الرهبة منه والرغبة في التأليف معه بالهدية ليرفق به وبأهل مملكته إنَّما كان باعتبار منعته، وذلك بمن تحت رايته وبجميع أهل العسكر.
وإن كان أهدى إلى بعض المبارزين، أو إلى رجل من عرض الجيش فذلك له خاصة؛ لأن الهدية إلى مثله لم يكن على وجه الخوف منه، أو طلب الرفق به، وإن كان فذلك الخوف باعتبار قوته في نفسه؛ إذ لا تبع له، فيكون ذلك سالمًا له خاصة.
وعلى هذا قالوا: من أهدى إلى مُفت أو واعظ شيئًا، فإن ذلك سالم له خاصةً؛ لأن الذي حمل المهدي على الإهداء إليه والتقرب إليه معنى فيه خاصة بخلاف الهدية إلى الحكام، فإن ذلك رشوة؛ لأن المعنى الذي حمل المهدي على التقرب إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إيَّاه، والإمام في ذلك نائب عن المسلمين.
_________________
(١) سورة المائدة، جزء من الآية رقم (٦٧).
[ ١٣٧ ]
والأصل في ذلك قوله ﷺ: «هدايا الأمراء غُلُولٌ» (^١)، يعني: إذا حبسوا ذلك لأنفسهم فذلك بمنزلة الغلول منهم، والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم، فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة، وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس لا يكون غلولًا.
وفي الحديث: «فهلا جلس في بيت أبيه وأُمه» (^٢)، وفيه إشارة إلى ما قلنا، وأن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فجاء بمال، فقال عمر: سرقت مال الله؟ قال: لم أسرق مال الله، ولكن خيلي تناتجت وسهامي اجتمعت، فلم يلتفت عمر إلى قوله، وأخذه فجعله في بيت المال (^٣).
وكذلك لو بعث الخليفة عاملًا إلى كُورَة (^٤) فأهدي إليه، فإن علم الخليفة أنه أُهدي إليه طوعًا أخذ ذلك منه، فجعله في بيت المال، وإن علم أنهم أهدوا مكرهين فينبغي أن يَرُدَّه إلى أهله، فإن لم يقدر عَزَلَه في بيت المال حتى يأتي أهله بمنزلة اللُّقَطَة.
وبهذا الطريق أمر عمر بن عبد العزيز حين استخلف برد الأموال التي اجتمعت في بيت المال؛ لأنه علم أن من قبله من المروانية (^٥) أخذوها بالإكراه (^٦)، وعلى هذا لو أن ملك العدو أهدى إلى ملك الثغر أو إلى قائد من
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٣٢٧) ٢/ ٣٧٨، وقال: «هذا حديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وابن سعد في الطبقات ٤/ ٢٤٩، ٤٥٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٧/ ٣٧١.
(٤) هي المدينة والصُّقْع، والجمع: كور. ينظر: الصحاح ٢/ ٨١٠، ونقله عنه الزبيدي في تاج العروس ١٤/ ٧٧.
(٥) هم: أولاد مروان بن الحكم. ينظر: معجم قبائل العرب ١/ ٤٣.
(٦) رواه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٢٦٣، وابن كثير في البداية والنهاية ١٢/ ٦٩٤، عمر وسياسته =
[ ١٣٨ ]
قواده لا ينبغي له أن يَرْزَأَ (^١) من ذلك شيئًا، ولكن الخليفة يأخذها منه، فيجعلها في بيت المال.
وإن كانت الهدية إلى شجاع من المسلمين فهو سالم له؛ لأن طلبهم الرفق من مال الثغر باعتبار قوته بالمسلمين، ومن المبارز باعتبار قوته في نفسه.
ولو أن أمير عسكر المسلمين أهدى إلى ملك العدو فعوضه، فإن كان مثله أو فيه زيادة يتغابن بها، فهو سالم له، وإن كان أكثر فله من ذلك قيمة هديته، والفضل فيء لجماعة المسلمين الذين معه.
وكذلك الحكم في القائد الذي يُرجى ويُخاف؛ أهدت امرأة عمر إلى امرأة ملك الروم، فأهدت إليها امرأة الملك فأعطاها عمر من ذلك مثل هديتها، وجعل ما بقي في بيت المال، فكلمه عبد الرحمن بن عوف فقال له عمر: قل لصاحبتك فليُهدِ إليها حتى ننظر أيهدى إليها مثل هذا (^٢).
وإن أهدى مبارز إلى رجل من أهل الحرب؛ قائد أو ملك، فأهدى إليه أضعافها، فهو سالم له؛ لأنه لم يكن باعتبار تعززه بغيره.
ولو أن المسلمين حاصروا حصنًا فباعهم أمير العسكر متاعًا فإن كان بقيمته أو بغَيْنِ يسير، فالثمن سالم له، وإن كان بغبن فاحش فله من الثمن قدر قيمة ملكه، والباقي يكون فيا لأهل العسكر، وإن كان البائع رجلا من عرض العسكر فالثمن سالم له قل أو كثر، ولو أن أمير العسكر بعث رسولا إلى مَلِكِهم في حاجةٍ
_________________
(١) = في رد المظالم ص ٢١٣ وما بعدها.
(٢) رزأ الشيء، نقصه. ينظر: تاج العروس ١/ ٢٤٤، مادة (رزأ).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٧٧) ٢/ ٢٢٢، وأخرجه الدينوري المالكي في المجالسة (٢/ ٢١٥)، ٨٣، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٦٠١٥) ١٢/ ٦٦٥.
[ ١٣٩ ]
فأجازه الملك بجائزة، فذلك سالم له خاصةً؛ لأن الجائزة للرسول ما كانت لرغبة أو لرهبة، بل للإنسانية والمروءة.
وكذلك إن أهدى الرسولُ إلى مَلِكِهم فعوضه أضعافا، سلم كله له، ولو أن ملك العدو أهدى إلى أمير العسكر فأراد أن يعوّضه من الغنيمة، ففي القياس ليس له ذلك، ولكنه استحسن فقال: ما أهدي إليه نظير من الغنيمة فيجوز له أن يعطيَ عوضه من الغنيمة؛ لأنه لو أراد أن يرد ما أُهدي إليه كان متمكنا من ذلك، وإن كان فيه إبطال حق الغانمين عنه.
فكذا إذا أراد أن يقبل ويعوّضه من الغنيمة ورأى النظر للمسلمين في ذلك، إلا أنه لا يعوّضه من الغنيمة أكثر من الهدية مما لا يتغابن به.
والحاصل: أن الثواب مقصود من الهدية فيكون كالمشروط (^١). هذا كلام محمد بن الحسن، نقلت جميع الباب لم أحذف منه إلا شيئًا يسيرًا لا يُخِلُّ بالمعنى.
وما ذكره من قبول النبي ﷺ هدية المشركين خالفه فيه أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال في «كتاب الأموال»: إن الثبت عندنا أنه لم يقبل هدية مشرك من أهل الحرب، بذلك تواترت الأحاديث.
وقال في الدنانير التي وصلت إليه من قيصر وهو بتبوك وجعلها فيا: إنها لو كانت هدية ما قبلها.
وكان عياض المجاشعي يخالط رسول الله ﷺ قبل الإسلام، فلما كان
_________________
(١) انتهى كلام السرخسي الذي مبتدأه بداية الفصل، ينظر: شرح السير الكبير، للسرخسي ٤/ ٧٦ - ٨١.
[ ١٤٠ ]
الإسلام أهدى إليه هديةً فردَّها، وقال: إِنَّا لا نقبل زبد المشركين (^١)، قال ابن عون: يعني: رفدهم (^٢).
وأهدى عامر بن مالك مُلاعِبُ الأسنَّة إلى النبي ﷺ حين قَدِمَ إليه فقال: إنِّي لا أقبل هديَّةَ مُشرِك (^٣)، وأهدى إليه عامر بن الطفيل فرسا، وكتب إليه أنه ظهر بي مثل الدبيلة (^٤)، فابعث إليَّ بدواء من عندك، فرد رسول الله ﷺ الفرس من أجل أنه لم يكن مسلما، وأهدى إليه عكة (^٥) عسل، وقال: تداوى به من هذا الذي [بك] (^٦) (^٧).
بل أهل العلم يقولون: عامر بن الطفيل، وأهل المغازي يقولون: أبو البراء عامر بن مالك، وأن عامر بن الطفيل لم يزل على عداوة رسول الله ﷺ حتى مات.
وأما هدية أبي سفيان (^٨) فقال أبو عبيد: وجه هذا عندنا أن الهدية كانت في
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) وسيأتي معنى هذه الكلمة من كلام المصنف.
(٣) رواه الطبراني في المعجم (١٥٤٨٦) ١٣/ ٤١٤، وأخرجه أبو عبيد في الأموال، ص ٣٢٧، والمتقي الهندي في كنز العمال ٥/ ٨٢٢، وقال الهيثمي في المجمع: (ورجاله رجال الصحيح) ٣/ ٢٢، وصححه الألباني في الصحيحة ٤/ ٣٠٥.
(٤) هي خُرَّاج ودُمَّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبا. ينظر: جامع غريب الحديث ١/ ٣٠٠
(٥) العكة بضم المهملة وتشديد الكاف: إناء من جلد مستدير يجعل فيه السمن غالبا والعسل، ينظر: فتح الباري ٦/ ٥٩٠.
(٦) سقط في هذا الموضع كلمة (بك)، وهي بالنص عند أبي عبيد كما نقله المصنف هنا. والله أعلم.
(٧) أخرجه أبو عبيد في الأموال، ص ٣٢٧.
(٨) سبق.
[ ١٤١ ]
الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وأهل مكة قبل فتحها، فأما مع المحاربة فلا.
وكذلك قبوله هدية المقوقس (^١)؛ لأنه كان قد أقر بنبوته ولم يُظهر التكذيب، ولم يؤيسه من الإسلام، وأما النجاشي (^٢) فقد أسلم، وكذلك الأُكَيْدِر (^٣).
فالثابت عندنا أن النبي ﷺ لم يقبل هدية مشرك محارب (^٤). انتهى كلام أبي عبيد.
وقالت الحنفية: لا يقبل القاضي الهدية إلا من ذي رَحِمٍ محرم منه، أو ممَّن جَرَتْ عادته بمهاداته قبل القضاء (^٥).
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده (٤٤٢٣) ١٠/ ٣٠٤، بلفظ: «أهدى المقوقس القبطي إلى رسول الله ﷺ جاريتين أختين إحداهما مارية أم إبراهيم بن رسول الله ﷺ، والأخرى وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت وهي أم عبد الرحمن بن ثابت، وأهدى له بغلة فقبل رسول الله ﷺ ذلك منه»، ورواه ابن سعد في الطبقات ٨/ ١٧٠، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ٤٧٠، والطبراني في المعجم (٣٤٩٧) ٤/ ١٢.
(٢) قصة إهداء النجاشي للنبي ﷺ أخرجها أحمد في مسنده (٢٢٩٨١) ٣٨/ ٨٣، وابن ماجه في سننه (٥٤٩) كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الخفين ١/ ١٨٢، وأبو داود في سننه (١٥٥) كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين ١/ ١١٠، والترمذي في سننه (٢٨٢٠) أبواب الأدب عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الخف الأسود ٥/ ١٢٤، قال الترمذي: حديث حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود ١/ ٢٦٦: «حدث حسن».
(٣) إهداء الأكيدر أخرجه البخاري (٢٦١٦) باب قبول الهدية من الشركين ٣/ ١٦٣، ومسلم (٢٤٦٩) باب من فضائل سعد بن معاذ ٤/ ١٩١٦، (٢٠٧١) باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ٣/ ١٦٤٤.
(٤) ينظر: الأموال، لأبي عبيد ٢/ ٩٠ - ٩٤.
(٥) ينظر: بداية المبتدي ١/ ١٤٩.
[ ١٤٢ ]