قال أبو عمر بن عبد البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في «الاستذكار» في «كتاب الجهاد» في حديث هدية مِدْعَم (^١): فيه إباحة قبول الخليفة الهدية، وكان ﵇ يقبل الهدية، ويأكلها، ويُثيب عليها، ولا يأكل الصدقة.
وقبوله ﵇ للهدية من المسلمين والكفار أشهر وأعرفُ عند العلماء من أن يحتاج إلى شاهد على ذلك ها هنا، إلا أنَّ ذلك لا يجوز لغير النبي ﷺ؛ إذ كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها دون رعيته؛ لأنه إنما أهدى ذلك من أجل أنه أمير رعيته.
وليس النبي ﷺ في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله ﷿ من غير قتال من أموال الكفار مما جلوا عنه بالرعب من غير إيجاف بخيل ولا ركاب، يكون له دون سائر الناس.
ومن بعده الأئمة، حُكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصةً دون سائر المسلمين بإجماع من العلماء؛ لأنها فيءٌ لمن سمى الله ﷿ في آية الفيء؛ ولهذا قال ﷺ: «هدايا الأمراء غُلول» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٣٩) كتاب المغازي ٤/ ١٥٤٧، باب غزوة خبير عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا أو فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب فبينما هو يحط رحل رسول الله - ﷺ - إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله ﷺ «بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله ﷺ «شراك أو شراكان من نار».
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٥٥ ]
ويدلك على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية أُهديت إليه بسبب ولايتها، ولأنها له ولجماعة المسلمين: حديث أبي حُمَيْدِ الساعدي، رواه ابن شهاب وغيره: «والذي نفسي بيده، لا ينال أحدكم منها شيئًا» (^١)، قال أبو عمر: يعني: من الهدايا.
وقال ابن عبد البر: اختلف العلماء في حديث عياض المجاشعي: «نهيت عن زبد المشركين» (^٢)، قال منهم قائلون: ذلك نسخ لما كان منه من قبول هدايا الكفار، وقال آخرون: ليس في الحديثين نسخ، وإنَّما المعنى كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه؛ لأن قبولها داعية إلى تركه على حاله، وقال آخرون: بل كان مخيرًا في قبول هدية الكفار، وترك قبولها، وقيل: إنَّما ترك قبول هدية عياض وملاعب الأسنَّةِ ومثلهما، ونهى عن زبد المشركين؛ لما في التهادي من التحابب، ومَن حاد الله ورسولَه حَرُمَت على المسلمين موالاته، وكان ﵇ بخلاف غيره؛ لأنه مأمون منه ما لا يُؤمَنُ من أكثر الأمراء بعده.
وروى ابن عبد البر بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، قال: قلت للأوزاعي: أرأيت لو أن صاحب الروم أهدى إلى أمير المؤمنين هديَّةً، أترى بأسا أن يقبلها؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا، قلت: فما حالها إذا قبلها؟ قال: يكون للمسلمين، قلت: وما وجه ذلك؟ قال: أليس إنَّما أهدى له؛ لأنه ولي عهد المسلمين، فلا يكون أحق بها منهم، ويكافئه بمثلها من بيت مال المسلمين.
قال الفزاري: فقلت: لو أن صاحب الباب أهدى له رئيس العدو هدية أو صاحبُ مَلْطِيَّة (^٣)، أيقبلها أحبُّ إليك أم يردُّها؟ قال: يردُّها أحبُّ إليَّ،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ملطية بفتح أوله وثانيه وسكون الطاء وتخفيف الياء والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة، بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة، تتاخم=
[ ١٥٦ ]
فإن قَبِلَها فهي بين المسلمين، ويكافئه بمثلها من بيت المال.
قال: فصاحبُ الصائفةِ (^١) إذا دخل فأهدى له صاحبُ الروم هديَّةً، قال: يكون بين ذلك الجيش، فما كان من طعام قَسَمَهُ بينهم، وما كان سوى ذلك جعله في غنائم المسلمين.
وقال الربيع عن الشافعي في كتاب الزكاة (^٢): إذا أهدى رجلٌ إلى الوالي هديَّةً فإن كانت لشيء نال منه حقًا أو باطلا فحرامٌ على الوالي أخذها؛ لأنه حرامٌ عليه أن يستجعل على الحق جُعْلا، وقد ألزمه الله تعالى القيام بالحق، وحرامٌ عليه أن يقوم بالباطل، والجُعل فيه [حرامٌ] (^٣) (^٤)، قال: وإن أهدى إليه أحدٌ ممن هو وال عليه على غير هذين المعنيين تفضُّلا وشكرًا لحسنٍ كان منه في العامة فلا يقبلها، فإن قبلها كانت في الصدقات، ولا يَسَعُه عندي غيرُه، إلا أن يكافئه من ماله بقدر ما يسعه أن يتمولها به (^٥).
وذكرنا في «التمهيد» من هذا المعنى ما هو أكثر من هذا (^٦).
وقال أبو الوليد الباجي في «المنتقى»: إن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس وأكيدر، ولم يقبل هدية عياض، فقيل: إن ذلك خاصٌّ للنبي ﷺ، وهذا التأويل
_________________
(١) = الشام وهي للمسلمين. ينظر: معجم البلدان ٥/ ١٩٢، ١٩٣.
(٢) هي أوان الصيف والغزوة في الصيف وبها سميت غزوة الروم؛ لأنهم كانوا يغزون صيفًا اتقاء البرد والثلج، وصائفة القوم ميرتهم في الصيف. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٣١.
(٣) لم يعرف للشافعي ﵀ كتاب مستقل بهذا الاسم، إنما هو أحد كتب الأم.
(٤) في الأصل (جرام) وهو خطأ، والله أعلم.
(٥) ينظر: الأم ٣/ ١٥٠.
(٦) ينظر: المصدر السابق.
(٧) إلى هنا انتهى كلام ابن عبد البر الذي مبتدأه بداية الفصل، ينظر: الاستذكار، لابن عبد البر ٥/ ٨٨ - ٩١.
[ ١٥٧ ]
غير صحيح، فإن قبول الهدية من مُشرِكِ ليس في طاعته، ولا يجري عليه حكمه إن كان الكافر المهدي في حال مَنَعَةٍ وقوة فأهدى إلى الخليفة أو الأمير.
قال سحنون: لا بأس أن يقبلها وهي له خاصة، وليس عليه أن يكافئه، وقال الأوزاعي: يكافئه من بيت المال، وهي للمسلمين، وقال (^١): إن كان الروم في ضعفٍ والمسلمون مُشرفون عليهم فقصدوا إبطال عزمهم؛ فهذه رشوة لا يحل قبولها، وقاله ابن القاسم.
بخلاف أن يُهدِيَ العِلْجُ (^٢) لرجل من المسلمين يكون له خاصة، زاد ابن الموازعن ابن القاسم: إن الأمير ينتهي الناس إلى أمره ونهيه، وقال: إلَّا أن يبين أنه يهدي للأمير بغير سبب الجيش لمودَّةِ قرابة، أو مكافأة، أو غير ذلك، مما يدلُّ على أنها لخاصته، فذلك له.
وأما ردُّه ﷺ هدية عياض وقوله: إنَّا لا نقبل زبد المشركين (^٣)، يحتمل إن صح أن يكون على الوجه الممنوع، وأنه أراد بذلك إبطال حق من حقوق المسلمين، وأما إنكاره على ابن اللُّتْبِيَّةِ (^٤) فلأنه كان عاملا، وهذه رشوة، فإنَّ عامل الصدقة لا يُهدى له إلا ليترك حقًا وجب، أو يكف عن ظلم إذا ثبت ذلك.
قال ابن حبيب: يقبلها الأمير فتكون لأهل الجيش، قال: ولا حُجَّةَ لأحدٍ في هدية المقوقس للنبي ﷺ؛ لأنه من خواصه يريد الاختصاص بها دون قبولها، وأمَّا رَدُّها فليس بقول لأحد من أصحابنا.
_________________
(١) أي: سحنون. والله أعلم.
(٢) العِلْجُ: يطلق على الكافر. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٤٢٥.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
[ ١٥٨ ]
على أن قول ابن حبيب ليس يبين في التخصيص، فإنه كان ما يأخذه يستعمله في مصالح المسلمين، ولا يورث عنه، ولو استعمله الأمير اليوم على هذا الوجه جاز له ذلك.
وإن كان المهدي يجري عليه حكم المهدى إليه، قال سحنون وأشهب: لا تقبل هديته مسلما كان أو كافرا، وروى [ابن] (^١) نافع عن مالك في السرية يبعثها الوالي فيرجعون بالفواكه فيبعثون إليه مثل فقة عنب، أو تين، لا بأس به، وتركه أمثل؛ لأنا نكره له قبول مثل هذا في غير الغزو، ووجه إباحة ذلك، أن مثل هذا لا يهدى إلا للحاجة إليه، وعدم وجوده مع تفاهة قيمته هناك (^٢).
وقال ابن يونس: لا يقبل القاضي هدية من أحد لا من قريب ولا صديق، وإن كافأه بأضعافها إلا مثل الولد والوالد وأشباههم من خاصة القرابة التي تجمع من حرمة الخاصة ما هو أكبر من حرمة الهدية.
قال سحنون: مثل الخالة والعمة وبنت الأخ.
قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة (^٣) [الهدية] (^٤) إلى السلطان الأكبر وإلى القضاء والعمال وجباة الأموال، وهو قول مالك، ومن قبله من أهل السنة، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية، وهذا من خواصه (^٥).
_________________
(١) وما أثبته موافق للمصدر الذي نقل منه المصنف وهو كتاب المنتقى. والله أعلم.
(٢) سقط من الأصل، وما أثبته موافق للمصدر. والله أعلم. ٣/ ٢٠٣.
(٣) انتهى كلام الباجي الذي مبتدأه ص ١٥٧، ينظر: المنتقى، ٣/ ٢٠٢، ٢٠٣.
(٤) كذا في الأصل، وفي أصل الكتاب الذي نقل منه المصنف (كراهية) وهو الأظهر. والله أعلم.
(٥) لا توجد هذه الكلمة في الأصل، وإضافتها مما يقتضيه استقامة السياق، وبحذفها تعتبر الجملة غير مستقيمة لفظا ومعنى، وهو في أصل الكتاب الذي نقل منه المصنف. ﷺ والله أعلم.
(٦) صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب قبول الهدية من رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٤٠) ٢/ ٩٩٠ - ٩١١، الترمذي في السنن (١٣٣٨)، كتاب الأحكام، باب ما جاء في قبول الهدية ٣/ ٦١٥.
[ ١٥٩ ]
قال ابن حبيب: للإمام أن يأخذ ما أفاد العمال، ويضمه إلى ما [جبوا] (^١)، وفعله النبي ﷺ في عامل له، قال: هذا أُهدِيَ إليَّ، فأخذه منه، وقال له: «هلا جلس في بيت أبيه وأمه» (^٢).
وقال ﷺ: «هدايا العمال غُلول» (^٣).
قال ابن حبيب: إذا حبسوها ولم يسلموها إلى من ولاهم، وكان عليهم أن لا يقبلوها، قال: وكلُّ ما أفاده وال في ولايته أو قاض في قضائه، أو متولي أمر المسلمين من مال سوى رِزْقِه، فللإمام أخذه منه للمسلمين.
وكان عمر ﵁ إذا ولى أحدًا أحصى ماله وكتبه؛ لينظر ما [يزيد] (^٤) فيأخُذه منه؛ ولذلك شاطر العمَّالَ في أموالهم حين كَثُرَتْ، ولم يستطع تمييز ما زادوه بعد الولاية (^٥).
قال مالك: وشاطر عمر أبا هريرة وأبا موسى الأشعري وغيرهما من الصحابة حين كثرت أموالهم، وخاف أن يكون مما كانوا يُرزقونه على الولاية (^٦) (^٧)
_________________
(١) بالجيم المعجمة لا بالحاء المهملة، موافقة لأصل المصدر الذي نقل عنه المصنف ﵀، والله أعلم.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في الأصل: (يتزيد) وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو الموافق لأصل الكتاب الذي نقل منه المصنف ﵀، والله أعلم.
(٥) رواه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٣٣، والمتقي الهندي في كنز العمال، كتاب الجهاد، باب في أحكام الجهاد، رقم (١١٤٢٠، ١١٤٢١) ٤/ ٤٧٧.
(٦) أخرجه أبو عبيد في كتابه الأموال (٦٦٦)، ص ٣٤٢، وذكرا أبا هريرة وسعدا بدل أبي موسى.
(٧) انتهى كلام ابن ونس، ينظر: الجامع لمسائل المدونة ١٥/ ٧٢٠، ٧٢١.
[ ١٦٠ ]
وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد المالكي في كتاب «النوادر» له في «كتاب الجهاد السادس» في الهدايا إلى الأمراء والعمال والحكام، قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة (^١) الهدية إلى السلطان الإمام الأكبر، أو إلى العمال، أو جُبَاةِ المال، أو الحُكّام أهداها إليهم مسلم، أو ذمي من أهل عمله.
ويكره قبولها للقاضي ممن كان يهاديه قبل أن يلي، أو من قريب أو صديق أو غيره، ولو كافأه بأضعافه إلا من الصديق الملاطف، أو من الأب والابن وشبهه من خاصة القرابة التي تجمع من خاصة القربى ما هو أخص من الهدية، قال مُطَرِّفٌ [و] (^٢) ابن الماجشون: وهو قول مالك ومن قبله من أهل السنة.
وقد رَدَّ علي خروفًا أُهدِيَ إليه.
وقال ربيعة: الهدية ذريعة الرشوة وعِلَّةُ الظلمة، وأهدى [سلمة] (^٣) بن قيس من الفيء سفط (^٤) جوهر بإذن الجيش إلى عمر، فرده وتواعد رسوله إن افترق الجيش قبل أن يقسمه بينهم (^٥).
وأهدى أبو موسى الأشعري وهو عامله على العراق وسادتين إلى عمر،
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي أصل الكتاب الذي نقل منه المصنف (كراهية). والله أعلم.
(٢) هذه زيادة يقتضيها المقام ليستقيم بها السياق؛ إذ واضح أن ثمة سقطا تقديره ما أثبته. والله أعلم.
(٣) في الأصل: (أسامة) وهو خطأ، والصواب ما أثبته وهو (سلمة بن قيس الأشجعي). والله أعلم.
(٤) السفط: الذي يعبّى فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء كالجوالق. ينظر: لسان العرب ٣١٥/ ٧.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٤٧٦) ٢/ ٢١٦، في حديث طويل، وابن جرير في تاريخ الأمم والملوك ٥٥٧/ ٢ وما بعدها.
[ ١٦١ ]
فلما رآهما أخرجهما من بيت أهله، وتصدق بهما (^١)، وذلك أنهما ليسا من الفيء.
قال ابن حبيب: وللإمام أن يأخذ ما أفاده العمال، ويضمه إلى ما [جبوا] (^٢)، وقد فعله النبي ﷺ في عامل له، قال: هذا أُهدِي إليَّ، فأخذه منه، وقال: «هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه» (^٣)، وفعله الصِّدِّيق.
قال ابن حبيب: وكلُّ ما أفاده الوالي في ولايته من مال، سواء رزقه أو قاض في قضائه، أو متولي أمر المسلمين فللإمام أخذه منه للمسلمين. وكان عمر إذا ولى أحدًا أحصى ماله؛ لينظر ما [يزيد] (^٤)، وكذلك شاطر عمر العمال أموالهم حين كثرت، ولم يقدر على تمييز ما ازدادوه بعد الولاية (^٥)، قاله مالك.
وشاطر أبا هريرة وأبا موسى وغيرهما (^٦).
قال مُطَرِّفٌ، عن مالك: إن معاوية لما احتضر أمر أن يدخل شطر ماله بيت مال المسلمين تأسيًا بفعل عمر بعُمَّاله، ورجاء أن يكون في ذلك تطهير له (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٣٤ عن ابن عمر قال: «أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل طنفسة …»، قال ابن الأثير في النهاية ٤/ ٨٣: «طنفسة هي تكون تحت الرحل على كتفي البعير». والله أعلم.
(٢) بالجيم المعجمة لا بالخاء المهملة، موافقة لأصل المصدر الذي نقل منه المصنف، والله أعلم.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في الأصل: (يتزيد) وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو الموافق لأصل الكتاب الذي نقل منه المصنف ﵀، والله أعلم.
(٥) سبق في الصفحة قبل السابقة.
(٦) سبق في الصفحة قبل السابقة.
(٧) من طريق محمد بن سعد رواه ابن كثير في البداية والنهاية ١١/ ٤٥٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٩/ ٢٢٠.
[ ١٦٢ ]
وأما هدايا الحربي إلى أمير الجيش أو بعض أهله، فتقدم مستوعبا في باب مقدم في الجزء الثاني.
وقال ابن حبيب: وما أهداه الحربي إلى أمير الجيش فهو مَغْنَم، وما أهداه الطاغية إلى والي ثغر، أو إلى الوالي الأعظم، فهو للمسلمين يُضَم إلى بيت المال؛ لأنه نيل بسلطانهم، فهو فيه كرجل منهم، والنبي ﷺ ليس كغيره؛ لأنه إنَّما يُهدى إليه قُربةً الله تعالى، وما أهدي إلى الوالي فلم يقصد به إلَّا السلطان الذي ولاه ذلك السلطان للمسلمين، والهدية للنبي ﷺ ما قُصِدَ بها غير النبي ﷺ.
وقد قال عمر فيما أهدى إليه راهب: كانت الهدية هدية، وهي اليوم
رشوة، وأخشى أن يكون له عندنا حاجة.
وسحنون يخالف في الهدية إلى أمير المؤمنين، وهذا باب مفرد في الجزء الثاني (^١).
وأشار ابن أبي زيد إلى باب قدَّمه في آخر «كتاب الجهاد الثالث»، قال فيه:
قال سحنون: وإن أهدى إلى أمير الصائفة، فإن كان الروم في مَنَعَةٍ وقوة فله قبولها، وإن كان الروم في ضعف والمسلمون مشرفون عليهم يقصدوا (^٢) بها توهين عزمهم، والتخفيف عنهم، فهذه رشوة لا يحلُّ قبولها. قال أشهب: لا يقبل أمير الجيش هدية من مسلم أو ذمي تحت سلطانه، ويقبل ممن ليس له عليه سلطان من مسلم، أو ذمي، أو حربي، ويكون له خاصة، وقاله سحنون.
_________________
(١) ينظر: النوادر والزيادات، ٣/ ٤٠١ - ٤٠٣.
(٢) كذا في الأصل، وفي أصل الكتاب الذي نقل منه المصنف (فقصدوا). والله أعلم.
[ ١٦٣ ]
وقال [ابن] (^١) نافع، عن مالك في السرية يبعثها الوالي فيرجعون بالفواكه، فيهدون إليه من ذلك مثلَ قُفَّةِ عنب، أو تين، والأمر اليسير فلا بأس به، وتركه أَمْثَل؛ لأنَّا نكره له قبول مثل هذا في غير العدو، وكذلك قال في أمير الثغر، وربما أغار مع الجيش.
ومن كتاب ابن المواز، وهو في «العتبية» من رواية عيسى عن ابن القاسم: في العِلْج من الحصن يهدي هديَّةً إلى رجل من الجيش فهي له دون أهل الجيش، وأما إن أهدى إلى الأمير فإنه يكون مغنما، وقاله ابن القاسم؛ لأنه على سبيل الخوف، قال ابن المواز: الانتهاء الجيش لأمره ونهيه.
قال ابن القاسم: إلا أن يتبين أنه لغير سبب الجيش من ذي قرابة أو ليست مكافأة يرجوها أو مادل أنه لخاصته فذلك له.
قال ابن المواز وقال أيضًا ابن القاسم: وإن أهدى إليه مسلم يجري عليه سلطانه فليرده إليه، وإن لم يَجْرِ عليه سلطانه فلا يرده، كان لمسلم أو ذمي، وهو له خاصة، وكذلك والي الثغر الذي يُغير عليهم أحيانًا.
وإذا دفع علج عند اللقاء إلى مسلم دنانير فهو أحق بها، فأما إن دفعها إلى الوالي فلا أدري كأنه يراه مغنما.
وكذلك في «العتبية» عند أبي زيد، عن ابن القاسم، قال ابن المواز: قال عبد الملك في أسير أعطى لرجل شيئًا طوعًا، قال: هو لجميع الجيش، بخلاف عطية من لم يُؤسَر بعد.
ومن كتاب ابن سحنون قال: وإذا أهدى رومي إلى مسلم في الجيش، فله
_________________
(١) سقط من الأصل، وما أثبته موافق للمصدر الذي نقل منه المصنف من كتاب النوادر والزيادات ٣/ ٢١٦. والله أعلم.
[ ١٦٤ ]
قبول ذلك بغير إذن الإمام، وهي له خاصةً، كان ذا قرابة أو أجنبيًا، وقاله الأوزاعي، وأما هديَّةُ المسلم إلى أحدٍ منهم فلا ينبغي، كان ذا قرابة أو غير ذي قرابة، أَذِنَ له الإمام أو لم يأذن، وأجازه الأوزاعي بإذن الإمام.
قال سحنون في الرسول إلى الطاغية يُجاز بجائزة، فهي له دون المسلمين، ولا خُمس في ذلك، وإذا جاء رسول من الطاغية لم يَنْبَغِ لأمير المؤمنين أن يُجيزه بشيء إلا أن يرى لذلك وجها فيه صلاح للمسلمين، فيجتهد فيه.
ومن كتاب ابن حبيب قال: وسمعت أهل العلم يقولون: أمير الجيش كأحدهم فيما يقسم له، وفيما له وعليه، وما أهدى إليه حربي فإنه مَعْنَم كمن وجد كنزا ببلد العدو من أهل الجيش، ولا يقبل هدية ممن في عمله من مسلم أو ذمي إلا من صديق ملاطف مستغن عنه، وله أن يقبل ممن ليس في سلطانه منهم.
ولذلك، الأمير الأعظم إن غزا مما أهدى إليه الحربيون، فهو مغنم لأهل الجيش، وما أهدى إليه الطاغية أو غيره من أهل الحرب في مقامه، فهو لجميع المسلمين.
ولا حُجَّةَ لأحدٍ في هدية المقوقس للنبي ﷺ، فهذا من خواصه ﷺ، اتخذ مارية أُمَّ ولد، وأعطى سيرين لحسان (^١).
ومن «العتبية» من رواية أبي زيد، عن ابن القاسم: ذكره ابن المواز عنه، وعن رومي أهدى ابنته أو غير ابنته إلى رجل: أن له وطأها، ولو سبى رجل جارية ممَّن بيننا وبينهم عهد؛ مثل النوبة، لم يَنْبَغِ لي أن أشتريها ولا أطؤها (^٢).
وفي هذا الكتاب، أعني: «النوادر»: أنه لما فتح النبي ﷺ مكة ولَّى عَتَابَ
_________________
(١) هدية المقوقس، سبق.
(٢) ينظر: النوادر والزيادات ٣/ ٢١٦ - ٢١٨.
[ ١٦٥ ]
بن أسيد، وفرض له كلَّ يوم درهمين (^١)، قال (^٢): ولا يرزق من الصدقات إلَّا السُّعاة، قال مالك: وكانت أرزاق العمال أيام بني أمية من الصدقات، وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يرتزق منها، فلمَّا وَلِيَ عمر بن عبد العزيز ولاه، وكتب إليه أن يرتزق من فدك (^٣)، فكتب إليه أبو بكر يعتذر من ارْتِزَاقه أولًا من الصدقة، ويقول: كانت غفلة، وفرض له من فدك في كل شهر سبعة وثمانين دينارًا [و] (^٤) ثلثا (^٥).
وكان عمر بن عبد العزيز يوسع في الأرزاق، يفرض للعامل في الشهر المئة دينار، والمئتين، ويقول: ذلك لهم قليل إن عملوا بكتاب الله. قال مالك: وإنَّما ذلك على قدر عمالتهم، وما يستحقون به في كفايتهم، وليس فيه حد.
قال ابن حبيب: إلَّا التوسعة إليهم أحب إلينا إذا كانوا أهل عدل (^٦).
_________________
(١) ذكرها ابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٥٤٩، والذهبي في تاريخ الإسلام ١/ ٤١٣، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢٢٤.
(٢) أي: ابن حبيب. والله أعلم.
(٣) هي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٢٣٨.
(٤) في الأصل: (أو)، وصوابه: (و) موافقة لأصل المصدر الذي نقل منه المصنف ﵀، والله أعلم.
(٥) رواه ابن سعد في الطبقات ٥/ ٣٠٣، عمر وسياسته في رد المظالم، ص ٢٠٨.
(٦) إلى هنا انتهى كلام ابن أبي زيد المالكي الذي مبتدأه ص ١٦١، والله أعلم، ينظر: النوادر والزيادات، ٣/ ٤٠٠، ٤٠١.
[ ١٦٦ ]