من المسائل المشهورة، والأبحاث المتداولة، والفروع المعروفة: هدايا العمال وما يتعلق بها من مسائل.
وللعلماء فيها مذاهب متسعة، وأقوال كثيرة؛ ولهذا وقع بينهم كلام طويل فيها، وتنازعوا في حكمها، ولهم تفصيلات وتفريعات.
وبسبب هدايا أُهديت من الولاة المعروفين والأمراء المشتهرين، وقع الكلام في حكمها في بعض البلاد والديار؛ كبلاد مصر وديارها.
وكان تقي الدين أبو الحسن السبكي آنذاك قاضيًا من قضاة الشام البارزين، ممن يعاني القضاء، ويتولى أمره، ويبحث شؤونه، ويتتبع مسائله، ويتقصى أخباره، وبلغه الكلام الواقع فيها، والتنازع الحاصل فيها؛ مما جعله يكتب رسالة في هذا الباب، ويوضح فيها الصواب، ويفصل الخطاب، قال في مقدمتها: «فإني كنت في الشام في سنة سبع وسبعمئة في رحلتي إليها، ووقع في الديار المصرية في ذلك الوقت الكلام في هدايا العمال وحكمها في مذاهب العلماء المعوّل عليها، بسبب هدايا أهديت إلى بيبرس وسَلَّار ونحوهما من أمراء الأمة، وهل توصف بالحِلّ أو الحُرمة؟ فأفتاهم عز الدين عبد العزيز بن عبد الجليل النَّمْراوي الشافعي بتحريمها، ووافقه الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن هبة الجوزي الخطيب، ونجم الدين الحسين بن علي بن سيد الكل الأسواني، متمسكين بالحديث المشهور: «هدايا العُمَّال غُلُولٌ» (^١)، وبقول الفقهاء في القاضي: ولا يقبل الهدية ممن لم يكن له عادة بالهدية، وأفتاهم بدر الدين بن جماعة قاضي الشافعية بإباحتها، وأنكر القول بالتحريم، وعمل في
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص ٦٩.
[ ٣٣ ]
ذلك تصنيفا لطيفًا، ووقفت عليه.
ولما قدمت من الشام وبلغني ذلك، وإنكار القاضي بدر الدين على النمراوي في فتواه بذلك، سألت عن ابن الرّفْعة: ما كان جوابه في ذلك؟ فقال: إنه سأل المهدى إليهم: هل تثيبون عليها؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: هذه هبة ثواب، وليس من الهدايا المحرَّمة، فقالوا: ما هو الثواب؟ فقلت: ولو دجاجة.
هذا ما اتفق في ذلك، وما برحت أستنكر القول بالإباحة، وقول ابن الرفعة أيضًا، وأتوهم أن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين - والله يغفر لنا وله - أو عدم إتقان المسألة» (^١).
فوسع السبكي القول فيها، وبيَّنها بيانا شافيًا، وأفرد لها كراسةً، وجعلها مستقلة، وسماها:
«فصل المقال في هدايا العمال».
ورتبها على فصول مفصلة:
فجعل الفصل الأول فيما ورد من الأحاديث في ذلك.
وكان ينقل الأحاديث مسندة منه إلى من أخرجها، ثم يبين درجتها صحةً وضعفًا.
ومجموع ما ذكره من الأحاديث في هذا الكتاب على هذا النحو تسعة أحاديث، واحد منها في الرشوة، والبقية في التجارة.
ثم الفصل الثاني: في حكم الهدية.
وذكر فيه المؤلِّف ما قيل في الهدية إلى القاضي، ونقل كلام أصحابه
_________________
(١) ٢/ أ، ٢/ ب. وسيأتي التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في النص المحقق.
[ ٣٤ ]
الشافعية مع الحُجَج، والتعليق على ذلك. وقد أطال في ذلك، وأكثر من النقل عنهم.
ثم عقب ذلك بفصل ثالث: فرق فيه بين الرشوة والهدية، فذكر فيه كلام الناس، وجمع، ووفق، ونبه إلى عدم الاختلاف فيه.
وقد بسط الكلام في هذا الموضع؛ فبين معنى الهدية، ووجه استحبابها، ثم عرَّف بالرشوة، وشرح معناها، ثم نقل كلام العلماء في التفريق بينهما، وحقق في ذلك.
ثم بعد أن فَرَغَ منه رجع إلى نقل كلام بقية الفقهاء في حكم الهدايا، وعقد لذلك فصلًا رابعًا.
وعقد بعده فصلا خامسًا فيما قاله أصحابه في قبول هدايا المشركين. ثم عقد فصلا سادسًا لما قالته المالكية في ذلك؛ نقل فيه عن أئمتهم وفقهائهم أقوالهم في هذه المسألة، وحكاها عنهم من كتبهم ومدوناتهم. ثم جعل لما ذكره الحنابلة وغيرهم فيها فصلا سابعًا.
ثم ألحق بالفصول السابقة فصلا فيه زبدة القول وخلاصة الكلام وحاصل ما قيل.