مما لا شك فيه ثبوت نسبة كتاب «فصل المقال في هدايا العمال» لمؤلفه:
أبي الحسن علي السبكي ﵀.
وهذا الأمر مقطوع به دون تطرق احتمال أو شك؛ وذلك للأمور الآتية:
١ - أن المصنف نفسه - أعني التقي السبكي - أشار في كتابه هذا إلى تفسير له موسوم بـ «الدر النظيم في تفسير القرآن الكريم» حيث قال في أول رسالته هذه: «والآن عن لي أن أكتب شيئًا في ذلك، والحامل على ذلك أنني لما وصلت في التفسير إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾، إلخ (^٢). مما يدل على أن هذا الكتاب هو أحد مؤلفاته».
٢ - أن المصنف نفسه أشار إلى مختصره، في فتاواه، وبالمقارنة بين المختصر وبين الأصل، ظهر أنه مطابق لألفاظه ومضمونه وفكرته، فجاء في المختصر: «وبعد: فهذا مختصر من كتابي فصل المقال في هدايا العمال، مرتب على فصلين: الفصل الأول» (^٣).
_________________
(١) ينظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ١/ ٣٢٢.
(٢) ٢/ ب، ٣/ أ.
(٣) ينظر: فتاوى السبكي ١/ ٢٠٣، ٢/ أ.
[ ٣٠ ]
وإذا طابقت بين هذا الكلام في مختصره وبين الكلام في الأصل، تجد بينهما تطابقا بينا (^١).
٣ - أن مضمون ما في هذه الرسالة من فتاوى وتقريرات، موافق تماما لما في كتبه، ورسائله الأخرى من فتاوى وتقريرات، فعلى سبيل المثال: في فتوى له في «قضاء الأرب في أسئلة حلب» أجاب فيها بجواب قال فيه: «والهدية يقصد بها التودد والميل، ووجه المهدى إليه، والميل هو المحذور في القاضي فافترقا» (^٢).
وبمقابلة هذه الفتوى والتقرير بما في رسالته هذه نجد أن بينهما تطابقا وتوافقا، ويظهر ذلك بالرجوع إلى كلامه في الفرق بين الهدية والصدقة في رسالته هذه (^٣) - محل التحقيق والدراسة ـ.
٤ - أن عددًا من الفقهاء نقلوا عنه فتاوى له - اشتمل عليها هذا الكتاب ــ، ومنهم:
* ابن حجر الهيتمي في كتابه: (تحفة المحتاج)، في موضعين الموضع الأول، حيث قال: «وبحث التاج السبكي أن خِلَعَ الملوك؛ أي: التي من أموالهم كما هو ظاهر، ليست كالهدية، بشرط اعتيادها لمثله، وأن لا يتغير بها قلبه عن التصميم على الحق، وسائر العُمَّال مثله في نحو الهدية، لكنه أغلظ، هذا ما أفتى به جمع واعتمده السبكي» (^٤). وبتدقيقنا لهذا النص الذي نقله الهيثمي مع كتابنا هذا نجد أنه مطابق لما نقل، وهو موجود فيه (^٥).
الموضع الثاني، قال فيه أيضا: «وقول البدر بن جماعة بالحل لهم ضعيف
_________________
(١) ٣/ ١
(٢) قضاء الأرب في أسئلة حلب، ص ٣٥١.
(٣) ١/ ٢٦
(٤) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ١٣٧/ ١٠، ١٣٨.
(٥) ٢٥/ ب
[ ٣١ ]
جدا مصادم للحديث المشهور «هدايا العمال غلول» ولما سأل السبكي شيخه ابن الرفعة عن هذا التخالف فأجابه بأنهم إن كافئوا عليها ولو بدجاجة لم يحرم قال: أتوهم أن الحامل له على هذا الجواب عدم موافقته للطائفتين، أو عدم إتقانه للمسألة والله يغفر لنا وله. اهـ.» (^١) وبتدقيقنا لهذا النص الذي نقله الهيثمي مع كتابنا هذا نجد أنه مطابق لما نقل، وهو موجود فيه (^٢).
* وكذا عبد الحميد الشرواني في حاشيته، حيث قال: «قوله: بل احترز به عما ينقل للرشوة … إلخ، للسبكي أن يلتزم كون ذلك من الهدية. غاية الأمر أنه هدية ورشوة، ويدل عليه خبر «هدايا العُمَّال غُلول» ونحوه فسماها هدايا، والأصل الحقيقة، ويدخل على ما قاله السبكي ما إذا لم يكن مع قَصْدِ شيءٍ مطلقا، فإن الظاهر أنه من الهدية، فليتأمل» (^٣).
* وكذا محمد بن محمد بن الحسيني، الشهير بالمرتضى الزبيدي، حيث نقل عنه في «إتحاف السادة المتقين» نصا عزاه لرسالته هذه، فقال: «قال التقى السبكي في فصل المقال …» (^٤). وبالمقارنة بين هذا النص الذي نقله الزبيدي مع كتابنا هذا نجد بينهما تطابقا (^٥).
وكل ما سبق يصح نسبة هذا الكتاب إليه، ويثبت به كونه أحد تآليفه، وهي أمور كافيه إن شاء الله في القطع بأن فصل المقال، كتاب فقهي الإمام شافعي، مارس القضاء وخبره، وعرف مسائله ودرى أحواله، هو الإمام التقي السبكي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
_________________
(١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ١٠/ ١٣٨.
(٢) ٢/ ب.
(٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ٦/ ٢٩٧.
(٤) إتحاف السادة المتقين ٦/ ١٦٤.
(٥) ١٠/ ب، ١١/ أ، ١١/ ب.
[ ٣٢ ]