سار الإمام التقي السبكي ﵀ في كتابه هذا على منهج واضح، وطريقة سديدة، وسنة رشيدة، هي من أحسن المناهج، وأوضحها، وأسدها، وأرشدها. وتتمثل هذه الطريقة في العرض والمنهج المتبع منه ﵀ في هذا الكتاب
[ ٣٥ ]
في المعالم الآتية:
أولا: أنه يقدّم ما عنده في المسألة، ثم يذكر كلام الناس فيها، ويجمع بين الكلام، وينبه إلى عدم الاختلاف فيه، ثم يقول فيه قولًا مختصرًا، ثم يبسط الكلام فيه.
ثانيًا: النقل عن العلماء من كتبهم الأصيلة، ومدوناتهم المعتمدة في كل مذهب؛ فيحرر أقوالهم منها؛ ففي كل قول ينقله عن مذهب معين ينقله من الكتاب الذي يحرّر رأي المذهب؛ مما يدل على عناية شديدة ومعرفة تامة بكتب المذاهب الفقهية وأئمتها.
ثالثا: نقله الأقوال من المدونات الفقهية بنصها؛ فإذا نقل قولًا من كتاب فقهي بَيَّنَ نوع نقله له؛ فيذكر هل نقله نصا أو بمعناه؛ مما يدل ـــ أيضا - على أمانته فيما ينقل وتَحَرِّيه فيما يكتب، مثال ذلك: أنه لما نقل عن أبي الحسن الجوري في شرحه لمختصر المزني بنصه قال: «وقال أبو الحسن الجوري في شرحه لـ «مختصر المزني» في باب المواهب الذي يلي باب الإقرار» باب كامل من كلام ابن سريج، وها أنا أنقله بنصه، قال: «باب الهدايا … إلخ» (^١).
رابعا: ذكره للأحاديث بأسانيدها إلى مصنفيها؛ بحيث لا يذكر حديثًا في كتابه إلا ويُسنده إلى الكتب المصنفة، والمدونات الحديثية من طريقه.
خامسا: الدقة في الرواية والأمانة في النقل، كما في بعض الأحاديث التي أوردها، فإنه بين ما كان منها طريق تحمله إجازة وما كان طريق تحمله سماعا (^٢).
سادسا: الاختصار في ألفاظ الأداء، كما هي عادة المصنفين من
_________________
(١) ١٨/ أ
(٢) ٣/ أ
[ ٣٦ ]
المحدثين، فنجد أنه في حكاية الطريق الموصل للمتن يختصر ألفاظ الأداء؛ فبدل أن يقول: حدثنا، يكتفي باختصارها: «ثنا»، وكذا يقول في أخبرنا: «أبنا»؛ فيحذف الخاء والراء (^١).
سابعا: الحكم على الأحاديث ونقد السند، فلا يكتفي بإيراد الأحاديث دون حكم عليها؛ بل يبين ما فيها من صحة وضعف، وقبول ورد.
فمثلا: في حديث «لعنة الله على الراشي والمرتشي» حكم على إسناده ورجاله؛ فقال: «إسناده جيدٌ، كلهم من رجال الصحيح، إلا الحارث خال ابن أبي ذئب؛ فإنه روى له الأربعة، وليس فيه قدح (^٢)».
ثامنا: النقل عن العلماء في تفسير الأحاديث وتأويلها؛ فإنه - أيضًا - لا يكتفي كما سبق، بإيراد الأحاديث والحكم عليها فحسب، وإنَّما نقل كلام العلماء في معناها وتفسيرهم لها. كما في نقله كلام ابن عبد البر في تأويل الحديث التاسع (^٣).
تاسعا: الاعتذار للأئمة، وحمل كلامهم على المحامل الحسنة. كما في استنكاره لقول ابن الرّفعة وفتواه في إباحة الهدية؛ حيث اعتذر له بأن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين أو عدم إتقان المسألة، والدعاء له بالمغفرة (^٤).
وكما في اعتذاره للحنفية والشافعية في قولهم بأنه إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال اليتامى والوقوف
_________________
(١) ٣/ أ، ٣/ ب
(٢) ٣/ ب
(٣) ٩/ ب، ١/ ١٠، ١٠/ ب.
(٤) ٢/ ب
[ ٣٧ ]
للضرورة. حيث قال معتذرا لهم: «غفر الله لهم إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيه ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشْرُ ما يتولاه قَدْرَ أُجرةِ عمله، فيُحتمل» (^١).