قال الشيخ زكي الدين في حواشيه: قيل: هذا يتأول على وجهين:
أحدهما: أنه إنَّما أباح اكتساب الخدم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، وليس له أن يرتفق بشيء سواها.
والوجه الآخر: أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له من يخدمه، فيكفيه مهنة مثله، ويُكترى له سكن يسكنه مدة مقامه في عمله (^٢). والله أعلم.
الحديث السابع: هدايا العمال غلول، روي عن أبي حميد، وغيره، عن الحديث صلى الله وسلم النبي ﷺ، رواه البزار، وأحمد في «مسنديهما».
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٩٤٥)، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أرزاق العمال ٤/ ٥٦٦، ٥٦٧، قال الألباني في المشكاة ٢٥/ ١١٠٧: «صحيح».
(٢) كذا قال ﵀ ولم أقف على هذا الكلام للمنذري في شيء من كتبه المطبوعة، وقد نسب الزبيدي هذا القول في (إتحاف السادة المتقين ٦/ ١٦٥) للمنذري، ومع هذا كله فالذي يظهر لي أن العبارة للإمام الخطابي في كتابه (معالم السنن ٣/ ٧)، وهي هناك بنصها كما هنا، ولعل المنذري نقلها عنه. والله أعلم.
[ ٦٩ ]
أما البزار فقال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ: «هدايا العمال غلول» (^١).
قال: «ورواه إسماعيل بن عياش مختصرًا، ووهم فيه، وإنما هو عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد: أن النبي ﷺ بعث رجلا على الصدقة» (^٢)؛ يعني: حديث ابن اللتبية المشهور (^٣).
وقد روى الحديث أحمد في مسنده، قال: ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال: «هدايا العمال غلول» (^٤).
وقد عرفت ما قاله البزار من وهم إسماعيل بن عياش فيه، ولا شك أن إسماعيل بن عياش روايته عن الحجازيين، كيحيى بن سعيد ونحوه، ضعيفة. وهذا الحديث منها، لا سيما مع ما بينه البزار من وهمه فيه، ومعناه: أنه وهم في الإسناد، فانتقل من الزهري إلى يحيى، ووهم في المتن من حديث ابن اللتبية إلى هذا اللفظ المختصر.
وقال النقاش في كتاب «القضاة العادلة والجائرة» (^٥): أخبرنا محمد بن
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده (٣٧٢٣) ٩/ ١٧٢، وحكم عليه المصنف فيما سيأتي.
(٢) مسند البزار ٩/ ١٧٢.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٦٠١)، ٣٩/ ١٤.
(٥) قال الزبيدي في الإتحاف ٦/ ١٦١: «حديث «هدايا الامراء غلول» أخرجه أبو سعيد النقاش في كتاب الفرق بين القضاة العادلة والجائرة»، وذكر المتقي الهندي في كنز العمال ٦/ ١١٥: حديث «هدايا الأمراء غلول»، وأسنده للنقاش في كتاب القضاة عن أبي حميد الساعدي، وعن أبي سعيد.
[ ٧٠ ]
نصر المؤدب، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا محمد بن بكير، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة، عن أبي حميد الساعدي، قال رسول الله ﷺ: «هدايا الأمراء غلول» (^١).
وهذه الروايات كلها عن إسماعيل بن عياش، وإسماعيل فيما يروي عن غير الشاميين ضعيف، وروايته هنا عن غير الشاميين؛ إذ هي عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، لا سيما وقد نَصَّ البزار على خطا إسماعيل بن عياش فيها.
وشرح كلام البزار أن الخطأ وقع في السند، فجعل يحيى موضع الزهري، وفي المتن، فجعل «هدايا العمال غلول» موضع حديث ابن اللتبية المشهور (^٢)؛ لأنه بمعناه.
وحينئذ لا يكون هذا اللفظ ثابتا ألبتة.
وقد رواه النقاش أيضًا من طريق أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «هدايا الأمراء غلول» (^٣).
وبه قال: أبنا محمد بن أبي قطن، ثنا أحمد بن عمار، ثنا أحمد بن [معاوية
_________________
(١) بهذا الإسناد بنصه في موضوعات المستدرك للذهبي، ص ٣٨، وأخرجه البيهقي في السنن (٢٠٤٧٤) باب لا يقبل منه هدية ١٠/ ٢٣٣، وأبو عوانة في مسنده (٧٠٧٣) بيان الخبر الموجب انصرافه من عمله والبحث عما أصاب من ولايته ٤/ ٣٩٥، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٧٤٣)، ٥/ ٢٨٦٥.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) بهذا الإسناد بنصه في موضوعات المستدرك للذهبي، ص ٣٩، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٢٣٩٠) في الوالي والقاضي يُهدى إليهما ٦/ ٥٤٦، وقال الألباني في الإرواء ٨/ ٢٤٨: «أبان هذا متروك».
[ ٧١ ]
بن بكر الباهلي] (^١)، ثنا النضر بن شميل، ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «هدايا الأمراء غلول» (^٢).
وهذان الطريقان لا يقوم بهما حجة، وهما أضعف من طريق إسماعيل بن عياش.