وفيه قصور؛ فإنه لم يذكر التي تعطى على أن يحكم بالحق، وهي رشوة على ما قررناه بعموم الحديث، بل هي أحق باسم الرشوة كما قدمنا.
ويدل عليه ما حكيناه عن أبي علي الطبري، عن الشافعي، أنه إذا أهدي له على دفع باطل أو إيصال إلى حق فهو محرَّم، فيُحمل كلام ابن كج على أنه ذكر أعلى مراتب الرشوة، وذكر أحد القسمين، واكتفى به عن الآخر، أو على أن الحكم بالحق يجعل [حكمًا] (^٣) بغير حق، فيدخل القسمان في كلامه.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الأظهر (وجوهها) ويحتمل أن يكون (الارتزاق) بدلًا من (الأرزاق) فيكون الكلام مستقيمًا كما هو، والله أعلم.
(٢) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٤٦٨.
(٣) في الأصل: (حكم)، وصوابه: (حكمًا)؛ لأنه مفعول به، والله أعلم.
[ ١٢٩ ]
وأما قوله: إن كانت مطلقة فهي الهدية، فإن عنى بالإطلاق أن لا يقترن بها لفظ يدل على الشرط، فالهدايا لا تشترط فيها لفظ، وإنما الاعتبار فيها بالفعل والقصد، فمتى قصد ترتب عليه الحكم، وإن لم يترتب وليست كعقود البيع والهبة ونحوهما ممَّا يُنظر فيه إلى اللفظ من غير اعتبار القصد.
على أنا هنا يجب أن ننظر إلى القصد حتى لو باعه بمحاباة لأجل ذلك كان كالهدية، كما أنا في الوصية نجعلها من الثلث، أعني: قدر المحاباة، ومحاباة القاضي كالهدية؛ يعتبر فيها القصود المذكورة، فإذا كانت لأجل الحكم فهي رشوة.
وإن عنى بالإطلاق أن لا يقترن بها قصد التوصل بها إلى الحكم، فصحيح أنها هدية، وليست برشوة حقيقة، ولكن هل يسلك بها مسلك الرشوة فيحرمها، أو مسلك الهدايا المباحة؟ ليس في كلامه تصريح بذلك، وقد تقدم قولنا وقول الغزالي فيها.
وقال الماوردي: العطية إن تقدمت الحاجة فهي رشوة، وإن تأخرت فهي الهدية (^١). انتهى.
وهذا ظاهره يقتضي أن العطية لأجل الحاجة، وحينئذ فهو صحيح في كونها إذا تقدمت كانت رشوة؛ لأنها بذلت للتوصل إلى غرض خاص، فهو كما قلناه، ويشمل إذا كانت الحاجة هي الحكم بحق أو بخلافه.
وأما قوله: وإن تأخرت فهي الهدية، فلا شك أنَّها لا تسمى رشوة؛ لأنه لم يتوصل بها إلى غرض، اللهم إلا/ [٣٤/ ب] إن كان المهدى إليه بقرينة الحال قضى تلك الحاجة لتوقع ما يناله من صاحبها، فهي الرشوة بعينها، وتصير رشوة بآخر قبضها.
_________________
(١) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٤، ٢٨٥.
[ ١٣٠ ]
وإن لم يكن في نفس كل منهما ذلك، ولكن قصد إثابته على قضاء حاجته، فينبغي أن يكون حكمها حكم ما لو بذلها قبل قضاء الحاجة، فإنه جعلها عوضا عنها؛ ولهذا جاء عن السلف الاحتراز عنها وإن لم يقصد الإثابة عليها ولكن التودد، فهي الهدية.
وإن أراد الماوردي هذا القسم فموافقه حق، وإلا ففيه ما قد علمته. وقال الغزالي في «الإحياء»: باذل المال إنما يبذله لغرض، فإن كان غرضه ثواب الآخرة، إما أن يكون المصروف إليه محتاجًا، أو عالمًا، أو صالحًا، أو نسيبًا، فإن علم الآخذُ أنه متصف بتلك الصفة [حَلَّ] (^١)، وإلا فلا.
القسم الثاني: عوض عاجل معين؛ كفقير يُهدي لغني طمعا في خلعته، فهذه هبة بشرط ثواب.
القسم الثالث: أن يريد إعانته بفعل معين؛ كالمحتاج إلى السلطان يُهدي إلى وكيل السلطان وخاصته، ومَن له مكانة عنده، فهي هدية بشرط ثواب يُعرف بقرينة الحال، فإن كان الثواب حرامًا كالسعي في إدرار حرام، أو ظلم إنسان، أو غيره، حَرُمَ الأخذُ، وإن كان راجيًا لدفع ظلم متعين في كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة، فيَحرُمُ أخذه، وهي الرشوة التي لا يُشَكٍّ في تحريمها.
وإن كان مباحا لا واجبًا ولا حرامًا، وكان فيه تعب بحيث لو عرف جاز الاستئجار عليه، فما يأخذه حلال مهما وَفَى بالغرض، وهو جار مجرى الجعالة، كقوله: أَوْصِلْ هذه القصة إلى يد السلطان ولك دينار، وكانت بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم.
_________________
(١) في الأصل: (جَلَّ)، وهو خطأ، والله أعلم.
[ ١٣١ ]
أو قال: اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا، أو يُنعم علي في كذا، وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام كثير، فذلك جُعل كما يأخذه الوكيل في الخصومة بين يدي القاضي، فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام.
وإن كان مقصوده يحصل تكلمه بلا تعب، ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه تفيد، فهذا حرام؛ لأنه عوض عن الجاه، ولم يثبت في الشرع جواز ذلك، بل ثبت ما يدل على نهيه، كما سيأتي في هدايا الملوك.
وإذا كان لا يجوز الأخذُ عن حق الشفعة، فكيف يؤخذ عن الجاه والحاذق في صناعته، كالذي يُزيل اعوجاج السيف بدَقَّةٍ واحدة مثلا؛ لحسن معرفته، لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه؛ لأن مثل هذه الصناعات يتعب في تحصيلها ليكسب بها، ويُخَفِّفُ عن نفسه كثرة العمل.
قلت: وفي تحريم ما قاله مما يحصل به غرض صحيح، وإن لم يكن [يكن] (^١) فيه تعب، نظر، وقد أجاز أبو إسحاق الاعتياض عن حقه للشفعة.
الرابع: ما يقصد للمحبة لا لغرض معين، فهذه هدية يحل أخذها.
الخامس: أن يقصد تَحَبُّبه؛ ليتوصل بها بجاهه إلى أغراض [له] (^٢) ينحصر جنسها وإن لم ينحصر نوعها، فإن كان جاهه لعلم أو نسب، فالأمر فيه أخف، وأخذه مكروه؛ لمشابهة الرشوة، وإن كان جاهه بولاية؛ من قضاء، أو عمل، أو ولاية صدقة، أو جباية مال، أو غيره من أعمال السلطنة حتى ولاية الأوقاف مثلًا، ولولا الولاية لم يُهْدِ إليه، فهذه رشوة في معرض الهدية.
_________________
(١) على الأقرب، خلافًا لما في الأصل من رسمها (يمكن)، والله أعلم.
(٢) في الأصل: (لا)، وهو خطأ، والموافق لما في أصل كتاب الإحياء ٢/ ١٥٦، والصواب (له). والله أعلم.
[ ١٣٢ ]
واتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة، واختلفوا في تحريمه، وهو دائر بين الهدية المحضة والرشوة المبذولة في مقابلة غرض معين، فإذا تعارضت الشائبة القياسية وعضدت الأخبار أحدهما تعين، وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر فيها، وذكر حديث ابن اللَّتْبِيَّة (^١) وغيره وآثارا، منها: سُئل طاوس عن هدايا السلاطين، فقال: «سُحْتٌ» (^٢).
وقال جابر وأبو هريرة: «هدايا الملوك غُلُول» (^٣).
وأَهْدَت امرأة أبي عبيدة (^٤) إلى خاتون (^٥) ملكة الروم خَلُوقًا (^٦)، فكافأتها بجوهر، فأخذه عمر، فباعه، وأعطاها ثمن خَلوقها، ورَدَّ باقيه في بيت مال المسلمين.
ولمَّا رَدَّ عمر بن عبد العزيز الهدية قيل: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، قال: كانت له هدية، ولنا رشوة (^٧): أي: كان يُتَقَرَّبُ إليه لنُبُوَّته لا لولايته، ونحن إنما نعطى للولاية.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٢٣٩٢) في الوالي والقاضي يهدى إليهما ٦/ ٥٤٦.
(٣) قال الزبيدي في الإتحاف ٦/ ١٦١ «وظاهر سياقه أنه موقوف عليهما». والله أعلم.
(٤) هي تجيفة زوج أبي عبيدة بن الجراح، لم تُنسب، كانت مع أبي عبيدة بدمشق وشهدت وفاته. ينظر: تاريخ دمشق، لابن عساكر ٦٩/ ٧٨، ٧٩.
(٥) خاتون: المرأة الشريفة، كلمة أعجمية، والعرب تلقب بها نساء الملوك. ينظر: القاموس المحيط، ص ١١٩٣، تاج العروس ٣٤/ ٤٨٢، التعريفات الفقهية، ص ٨٤، مادة (ختن).
(٦) بفتح أوله، وهو نوع من الطيب له لون، وقيل: هو طيب فيه صفرة، وقيل: طيب معروف يُتَّخَذ من الزعفران وغيره. ينظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٧/ ٢٨٢٣.
(٧) ينظر: الطبقات، لابن سعد ٥/ ٢٩٣، الحلية، لأبي نعيم ٢/ ٤٠١، وسبق وروده عند البخاري، ص ٦٦ من هذا الكتاب.
[ ١٣٣ ]
فإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والوالي ينبغي [أن] (^١) يقدر في نفسه أنه في بيت أبيه وأُمه، فما كان يُعطى بعد العزل وهو في بيت أُمه يجوز له أخذه في ولايته، وما يعلم أنه يعطى لولايته وما أشكل عليه في أصدقائه أنهم هل كانوا يُعطونه لو كان معزولًا أو لا، فهو شبهه، فليجتنبه (^٢). هذا كلام الغزالي ﵀، وهو في غاية الحسن.