والذي أقوله: إن هذا قسم متوسط بين الهدية والرشوة صورة حكمًا، و[و] (^٢)، وأن حكمه أن يجوز القبول ويوضع في بيت المال، وحكم ما سواه من الهدايا يؤخذ ويتملكه المهدى له، وحكم الرشوة أن لا تؤخذ، بل تُرَدُّ إلى صاحبها.
وإنما صار حكم القسم المتوسط هكذا بالحديث رشوة، أنه بالنسبة إلى صورته جاز الأخذ لأغراض المعطى عنه، وعدم تعلق قصده بعوض خاص، وبالنسبة إلى معناه، وأن المعطى له نائب عن المسلمين جعلت للمسلمين إن كان واليا عاما أو قاضيًا، وإن كان عامل صدقة جعلت في الصدقات الذي هو نائب عن أصحابها.
فإن قلت: فإذا كان المهدى إليه غير حاكم.
قلت: إن كان نائبه، أو حاجبه، أو من ندبه وولاه إيصال الأمور وما أشبه ذلك، فهو مثله.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) هذه زيادة يقتضيها المقام ليستقيم بها السياق؛ إذ واضح أن ثمة سقطا تقديره ما أثبته. والله أعلم.
[ ١٢٠ ]
وعلى الجملة؛ كلُّ مَنْ تولَّى ولايةً يتعين عليه ذلك الفعل فيها، أو يجب وإن لم يتعين، كما إذا كان اثنان في وظيفة يحرم على كل منهما أن يأخذ على شغل ما يجب أو يحرم.
فإن قلت: فإن كان مما لا يجب لا يحرم، بل يجوز، هل يجوز الأخذ
عليه؟
قلت: هذا في حق المتولي عزيز، فإنه يجب عليه رعاية المصالح، فمتى ظهرت مصلحة في شيء وجب، ومتى ظهر خلافُها حَرُمَ، ومتى أَشْكَلَ وجب النظر، فإن وُجد في فعل القاضي ونحوه ممن يلي أمور المسلمين ما يتخير بين فعله وتركه على سبيل التشهي.
وإن فرض ذلك فيحرم الأخذُ عليه أيضًا؛ لأنه نائب عن الله تعالى في ذلك الفعل، فكما لا يأخذ على حكمه لا يأخذ على فعله، وأعني بهذا ما يتصرف فيه القاضي غير الأحكام من التولية ونحوها، فلا يجوز له أن يأخذ من أحد شيئًا على أن يوليه نيابة قضاء، أو مباشرة وقف أو مال يتيم.
وكذلك لا يجوز له أن يأخذ شيئًا على ما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ، وإن لم تكن هذه الأشياء أحكامًا بمعنى أنها ليست تنفيذا لما قامت به الحجة، بل أشياء (^١) تصرفات مبتدأة، ولكن الأخذ عليها ممتنع كالحكم؛ لأنه نائب فيها عن الله تعالى كما هو نائب في الحكم عنه.
فإن قلت: قد حَجَرْتَ الأمر على القاضي فيفضي إلى تضييق رزقه.
قلتُ: لا يَحِلُّ للقاضي أن يأخذ شيئًا إلا أن يرزقه الإمام من بيت المال، أو يفعل بيده ما يستحق به أجرةً؛ كأن يكتب مكتوبًا يستحق أجرة مثله فيه، ونحو
_________________
(١) كذا في الأصل، والمعنى يستقيم بدون عبارة (أشياء)، والله أعلم.
[ ١٢١ ]
ذلك، فإن ذلك ليس من الأحكام والأفعال التي هو مستخلف فيها.
فإن قلت: فالعالم الذي تعيَّن عليه تعليمُ العِلم، أو وجب فرض كفاية ولم يتعين، هل يجوز قبوله الأجرة أو الهدية عليه؟
قلت: هذا مما اختلف العلماء فيه، والأولى التنزه عنه، ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي، فإن القاضي فيه وصفان، أحدهما: الوجوب، والثاني: كونه نائبا عن الله تعالى، والعالم ليس فيه إلا الأول فقط.
فإن قلت: فمن ليس متوليا إذا أهدى إليه؛ ليتحدث له في أمر جائز عند ذي سلطان.
قلت: إذا كانت تلك الحالة جائزة، ولم يكن المتحدث مرصدًا لإبلاغ مثلها بحيث يجب عليه، فإن كان لحديثه فيها أجرة بأن يكون يحتاج إلى عمل كثير، جاز، وإلا فلا.
أما الجواز فلأنه إجارة أو جعالة، وأما المنع فلأنَّ الشرع لم يَرِدْ بالمعاوضة في هذا النوع، وإن كان قد يقصده العقلاء.
وقد بان بهذا الفرق بين الرشوة والهدية، وأن ما يأخذه القاضي مَرَاتِبُ:
أعظمها في التحريم: الأخذُ على أن يحكم بالباطل، فيكون قد غيّر شريعة الله تعالى، وأَكَلَ السُّحتَ.
ويليه في التحريم: أن يأخذ ليتوقف عن الحكم بالحق، فإن الحكم بالحق بعد ثبوته واجب متى استحل تركه كَفَرَ.
ويليه: بأن يأخذ ليحكم بالحق أو يتوقف عن الباطل، فيكون قد غير طريقة الله تعالى، وباع عدل الله الذي بذله الله لعباده بغير عوض، وهو راجع إلى الحكم
[ ١٢٢ ]
بغير طريقة الله تعالى، ولما امتنع من الحكم إلا بعوض فقد امتنع من حكم الله، فيدخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (^١)، وقوله ﷺ: «لعن الله الراشي والمرتشي» (^٢)، يشمل ذلك.
ويلي هذا في التحريم: أخذه على التولية والعزل والعقود والفروض والفسوخ؛ لمشابهتها الأحكام، فتدخل في الحديث إما بالنَّص وإما بالقياس، والأقرب أنه بالنص، فإنه إذا وجب ذلك عليه فالتوصل إليه بمال كالتوصل إلى الحكم بمال.
وأكثر ألفاظ الحديث أُطلق فيها الراشي والمرتشي، فيَعُمُّ، وفي بعضها مقيد في الحكم، فعلى هذه الرواية إما أن يقول: إن هذه التصرفات حكم، أو في معنى الحكم؛ لأنها وظيفة الخلافة عن الله تعالى، بل هي جُلُّ ما يقصد القاضي له، فإن الحكم الذي هو الإلزام والتقييد لمقتضى الحُجَّة لا يثبت أمرًا لم يكن، بل هو إخبار للمدعى عليه على ما قامت به الحجة.
فهو يساوي في الصورة إلزام غير الحاكم ممَّن له يد قوية، وعلم دَيْنًا على شخص وامتناعه ظلمًا من أدائه لصاحبه، فأَكْرَهَه بيده القوية على أدائه له، فهكذا حكم الحاكم وإن فارقه من بعض الوجوه.
وأما هذه التصرفات التي يُنشِئُها الحاكم فلا تصح إلا به، وضرورات الناس ماسَّة إليها؛ لاحتياجهم إلى النجاح ونحوه، وإنَّما يتعاطاه فيمن لا ولي
_________________
(١) جزء من الآية (٤٤، ٤٥، ٤٧) سورة المائدة.
(٢) سبق تخريجه ص ٦٠، قال الخطابي في (معالم السنن ٤/ ١٦١): «الراشي: المعطي، والمرتشي: الآخذ، وإنما يلحقهما بالعقوبة معا إذا استويا في القصد والإرادة، فرشى المعطى لينال به باطلًا ويتوصل به إلى ظلم، وأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلما، فإنه غير داخل في هذا الوعيد».
[ ١٢٣ ]
لها الحاكم النائب عن الله تعالى، فبفعله يحصل الإباحة، وبفسخه يحصل التحريم، وبحَجْرِه يحصل المنع في التصرف، وببيعه مال يتيم ينتقل الملك، وباستيفائه الحدود يبرأ صاحبها مما عليه لله تعالى؛ فأفعال الحاكم كلُّها منسوبة إلى الله تعالى، والحاكم واسطة.
فمتى أخذ عليها أجرًا يكون كعبدٍ أَمَرَه سَيِّدُه بإيصال شيء مما للسيد إلى عبد آخر، وأوجبه عليه ومَنَعَه من تأخيره، ولم يجعل له عليه شيئًا، بل مجرد طاعة السيد، والقيام بمصلحة عبيده، فقال: لا أوصله لصاحبه حتى تعطيني جعلا، أما أن (^١) يكون أظلم الظالمين؟
فإن قلت: قد عظمت الأمر في ذلك، والقاضي إذا كان متوليا على عمل فلا يجب عليه أن يُوَلِّيَ فيه، والذي يوليه فيه إنما هو نائب عنه يساعده على العمل، فإذا جاز له استنابة من شاء فأعطاه ذلك النائب على استنابته شيئًا لم يعطه على أمر واجب ولا حرام، وهو له فيه غرض صحيح؛ لما يحصل له به من الجاه والرفعة والكَسْبِ، فلِمَ يَحْرُمُ؟
قلتُ: يَحرُمُ الأمور:
أحدها: أن القاضي مأمور بالنصح للمسلمين، صح في الحديث: أَنَّ مَنْ وَلِيَ قومًا ثم لم يُحِطهم بنصيحة؛ فالجنة عليه حرام (^٢)، ومَن وَلِيَ قوما فولى
_________________
(١) كذا في الأصل، وبعد تأمل في العبارة مرارًا؛ تبين أن الجملة لا تستقيم على وفق ما هو في الأصل، وأنه لا بد من حذف (أن)؛ ليستقيم الكلام، ويكون المعنى استفهامًا من المصنف ﵀ بكون هذا العبد قد ارتكب ظلمًا بكونه لم يقم بطاعة سيده طاعة محضة من غير حاجة إلى جعل. هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٣١) كتاب الأحكام ٦/ ٢٦١٤، باب من استرعي رعية فلم ينصح، بلفظ: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنُصْحِهِ إلا لم يجد رائحة الجنة».
[ ١٢٤ ]
عليهم من فيهم خيرٌ منه؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (^١).
فهذا الذي يبذل في النيابة إن لم يكن بهذه الصفة تحرُم توليته، وإن كان بهذه الصفة وجبت توليته، فلا يخرج عن هذين.
الثاني: أنا لو سلَّمنا جواز توليته وتركها، فإذا أخذ منه الرشوة فربما بدا ما يُوجِبُ عزله فيحابيه لأجل رشوته فيتركه.
الثالث: أن النائب مُوَلَّى على قوم وهم كالخصماء له، يجب على المستنيب في كل وقت أن يتفقد أخباره معهم، وسيرته فيهم، إن عدل استمر به، وإلا صرفه، ولا يُحوجهم إلى شكوى، وكأنَّ النائب [منزل] (^٢) منزلة من له خصومة، وقد أجمعنا على أنَّ مَنْ له خصومة فقبول هديته حرام، فهذا كذلك وأولى؛ لأن خصماء هذا لا ينحصرون، وقد يكون فيهم من هو طفل.
الرابع: أن النائب إذا أعطى الرشوة في الغالب يقصد أن يأخذ مثلها من أهل عمله، فيحتاج إما إلى الأخذ على ما لا يجوز من الحكم ونحوه، كما سبق،
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٢٠١٥١) كتاب آداب القاضي ١٠/ ١١٨، باب لا يولي الوالي امرأة ولا فاسقا ولا جاهلا أمر القضاء، بلفظ: «من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين». ورواه الطبراني (١١٢١٦) ١١/ ١١٤، بلفظ: «من أعان بباطل ليدحض بباطله حقًا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، ومن مشى إلى سلطان الله ليذله أذله الله مع ما يدخر له من الخزي يوم القيامة، سلطان الله كتاب الله وسنة نبيه، ومن تولى من أمراء المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلًا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين، ومن ترك حوائج الناس لم ينظر الله في حاجته حتى يقضي حوائجهم ويؤدي إليهم بحقهم، ومن أكل درهم ربا فهو ثلاث وثلاثين زنيةً، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١١٢: «رواه الطبراني، وفيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح».
(٢) في الأصل: (منزلًا)، وصوابه: (منزل) بالرفع خبر لكأن. والله أعلم.
[ ١٢٥ ]
وإمَّا إلى مُضاعفة الأجرة فيما يستحق للأجرة فيه من الكتابة ونحوها، فيعمُّ ضرره لجميع الخلق، هذا إن احترز عن التعرض لأموال الأيتام والأوقاف.
الخامس: أن هذا الفعل لم يعهد في زمن الخلفاء الراشدين، ولا من بعدهم، ولا من بعدهم، بل هو من الأمور المنكرة المعلومِ قُبحها من [الدين] (^١) بالضرورة؛ ولهذا إذا اتفق الأخذُ من بعض الفَجَرةِ تَجِدُه يتكتم ذلك ويُخفيه، وما ذاك إلا لمعرفته ومعرفة كلّ أحدٍ بقُبحه، والشيء الجائز يتظاهر به صاحبه، ولا حرج عليه.
ولا حاجة إلى الإكثار في ذلك، فإنه لا يشك فيه إِلَّا مَنْ أضلَّهُ الله، وأين هذا من الهدية التي هي وصلة إلى توادد المؤمنين وتراحمهم وتعاطفهم؟ تلك توصل إلى رضا الله، والرشوة وما يؤخذ على الولايات توصل إلى غضب الله.
وهذا الذي نقوله ليس خاصًا بالقاضي، بل هو في الإمام فمن دونه من كلّ من تقلد أمور المسلمين، ولكنَّ القاضي يُلام على ذلك أكثر مما يلام غيره؛ لأنه نائب الشرع، ونُوَّابُ الشخص (^٢) إذا لم يسيروا بسيرته استحقوا النكال.