ومنها: أن تكون دنيوية؛ كالتوصل بذلك إلى أغراض له لا تنحصر بأن يكون المستمال قلبه صاحب جاه، فإن كان جاهه بالعلم والدين، فذلك جائز.
وهل هو جائز بلا كراهية أو بكراهة تنزيه؟ اقتضى كلام الغزالي في «الإحياء» النهي (^١)، ومراده في القبول للهدية، وهو صحيح؛ لأنه يكون قد أكل بعلمه أو دينه، أما الباذل فلا يُكره له ذلك وإن كان جاهه بأمر دنيوي، فإن لم تكن ولاية، بل كان له وجاهة بمال أو صلة عند الأكابر، ويقدر على نفعه، لا يكره الإهداء إليه لهذا الغرض.
وأما قبوله فهو أقل كراهة من الذي قبله، بل لا يظهر فيه كراهة؛ لأنه لم يأكل بعلمه ولا دينه، وإنما هو أمر دنيوي، ولم يخرج عن حدّ الهدية فلا كراهة.
_________________
(١) أي: نهي تنزيه، والله أعلم. ينظر: إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٥.
[ ١١٩ ]
وإن كان جاهه ولاية، ولم يقصد حكما منه، وإنما قصد استمالة قلبه عسى أن ينتفع به في مهماته، وينال بصحبته خيرًا، فهذا محل التودد، يحتمل أن يقال: إنه هدية؛ لكونه ليس له غرض خاص، ويحتمل أن يقال: هو رشوة؛ لكون المهدى إليه في مَظنَّة الحكم.
فاستدل الغزالي بحديث ابن اللتبيَّة (^١) على التحريم، ويكون هذا وإن كان القصد استمالة القلب من غير قصد خاص خرج من قسم الهدية، ودخل في قسم الرشوة بالحديث.