وحاصل القول فيها: أنها في حال الخصومة حرام؛ لئلا ينكسر قلب خصمه، وفي غير حال الخصومة إن زاد على عادته فكذلك، وإن لم يزد جاز، والأولى تركها.
أما من ليست له عادة: فالذي قاله العراقيون والبغوي (^٧)
_________________
(١) وهو ما ادعى البندنيجي أنه المذهب، ومن قول المصنف ﵀: (إن من أصحابنا …) إلى هذا الموضع في كفاية النبيه ١٨/ ١٠٦، والذي يظهر أن المصنف ﵀ نقله عن ابن الرفعة، والله أعلم.
(٢) لأبي الحسن الماوردي، ينظر: ١٦/ ٢٨٦.
(٣) للبغوي، ينظر: ١٨/ ١٧٤، ١٧٥.
(٤) لأبي عبد الله الزبيري، لم أقف عليه مطبوعًا، وسيأتي ذكر للكتاب والكلام فيه.
(٥) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٤٦٨.
(٦) وهناك وجه آخر: أنه لا يجوز أن يقبلها، لجواز أن تحدث له محاكمة ينسب بها إلى الممايلة، ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٦، والله أعلم.
(٧) ينظر: التهذيب ٨/ ١٧٤.
[ ٧٧ ]
والرافعي (^١): التحريم؛ للخبر (^٢)، وعبارة الماوردي مصرحة بالتحريم (^٣)، واقتصر الإمام (^٤) والغزالي (^٥) على الكراهة.
وعلى هذا، فالأحسن أن يُثيب (^٦) أو يضعها في بيت المال؛ ليندفع عنه محذور الميل (^٧)، وهذا على المشهور في أنه يملك الهدية في هذه الحالة (^٨).
وعن القفال (^٩) حكاية وجه: أنه لا يملكها (^١٠).
قال الإمام: ومن هذا يؤخذ أن القبول حرام عند هذا القائل لا محالة (^١١).
وقد حكيناه من قبل عن الفُورَاني والمسعودي (^١٢)، والكلام في قبولها ممن هو من أهل ولايته، أما قبولها ممن ليس من أهل ولايته ولا خصومة له،
_________________
(١) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٨/ ١٠٤.
(٢) فالخبر عند العراقيين والبغوي حديث أبي حميد الساعدي، وسبق تخريج هذا الحديث ص ٦٧، ينظر: التهذيب ٨/ ١٧٤، كفاية النبيه ١٨/ ١٠٥. وعند الرافعي حديث: (هدايا العمال غلول)، وروي: (سحت)، سبق تخريج هذا الحديث ص ٦٩، فليراجع.
(٣) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٦.
(٤) ينظر: نهاية المطلب ١٨/ ٥٧٦.
(٥) ينظر: الوسيط ٧/ ٣١٥.
(٦) يعني: يثيب المهدي، فيعطيه ما يقابل قيمة هديته.
(٧) ينظر: نهاية المطلب ١٨/ ٥٧٦، الوسيط ٧/ ٣١٥.
(٨) ينظر: نهاية المطلب ١٨/ ٥٧٦.
(٩) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله، أبو بكر، شيخ الشافعية، يعرف بالقفال الصغير المروزي، توفي سنة ٤١٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٠٥ وما بعدها، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٥٣.
(١٠) ينظر: نهاية المطلب ١٨/ ٥٧٦.
(١١) ينظر: المصدر السابق.
(١٢) الصفحة السابقة.
[ ٧٨ ]
وكانت له عادة بالهدية له، قال الإمام: فهو قريب، والمستحبُّ له الامتناع (^١). ويقرب منها عبارة الماوردي، والفُراني، والبغوي، وفرضوا ذلك فيما إذا سافر عن عمله، ولم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية، فيكره القبول، وإن قبل ملك، والأولى أن يثيب، فإن لم يفعل وضع الهدية في بيت المال (^٢). ولفظ الشافعي فيما قاله ابن الصباغ: فإن أُهدي إليه في غير عمله كرهت له ذلك، فإن قبل جاز (^٣).
وفي «تعليق» أبي الطيب (^٤) والبندنيجي: أن من أصحابنا من حرم القبول أيضًا (^٥).
والماوردي حكى الوجهين فيما لو قبل الهدية من غير أهل عمله في عمله، كما إذا أرسل إليه بها رسولًا، وقال: إنه لو حضر هو بها حرم القبول؛ لأنه صار من أهل عمله (^٦).
ولا كراهة في أكل طعام من ليس من أهل عمله إذا نزل عليهم ضيفًا عابر سبيل، ويكره إن كان مقيمًا (^٧).
_________________
(١) ينظر: نهاية المطلب ١٨/ ٥٧٦.
(٢) قال الماوردي في الحاوي ١٦/ ٢٨٧: «فنزاهته عنها أولى به من قبولها ليحفظ صيانته، فإن قبلها جاز، ولم يمنع منها» والله أعلم.
(٣) ينظر: الأم ٣/ ١٥٠، الشامل (٢٤١)، والذي يظهر أن المصنف - ﵀ - نقله عن ابن الرفعة. ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٧، والله أعلم.
(٤) ينظر: التعليقة، لأبي الطيب الطبري (١٠٤٥).
(٥) الذي يظهر أن المصنف - ﵀ - نقله عن ابن الرفعة، وهو يكثر من ذلك، والله أعلم. ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٧.
(٦) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٦.
(٧) ينظر: المصدر السابق ١٦/ ٢٨٧.
[ ٧٩ ]
قال الماوردي: وحيث قلنا: إن القبول ليس بحرام، فله الأخذ والتملك، والأولى أن يثيب أو يضع في بيت المال، وحيث قلنا بالتحريم فقبلها، لم يملك (^١) في الأصح الذي ذكره الأكثرون، ومنهم: القاضي حسين.
وقال صاحب «التقريب» (^٢): يملك؛ لأن الهدية مطلوبة، والتحريم للتهمة، فهو كالصلاة في الدار المغصوبة (^٣).
وقال الماوردي: إنه يجب رد الهدية إلى مالكها، سواء كانت قبل الحكم أم بعده، لكنها إن كانت قبل الحكم فردها، ثم حكم له أو عليه، نفذ، وإن لم يردها فحكم على المهدي، نفذ، وإن حكم له فوجهان، وإن كانت بعد الحكم جزاء لما حكم به، فالحكم نافذ، وقال فيما إذا كانت الهدية مبتدأة ممن لا عادة له ولا حكومة، وهو من أهل العمل: إنه لا يملكها، وفيما يصنع بها وجهان:
أحدهما: يضعها في بيت المال.
_________________
(١) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٧.
(٢) هو القاسم بن محمد بن علي الشاشي، أبو الحسن، صاحب التقريب، أحد أئمة الدنيا، ابن الإمام الجليل القفال الكبير، توفي نحو سنة ٣٩٩ هـ. ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٧٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٤٧٢ وما بعدها. وأما كتاب (التقريب) فقد أثنى عليه جمع من الشافعية، ومن ذلك ما ذكره الإمام أبو بكر البيهقي في رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني، ص ٧٠ بعدما حث على حكاية ألفاظ الشافعي وألفاظ المزني، قال: «لم أر أحدا منهم - يعني المصنفين في نصوص الشافعي - فيما حكاه أوثق من صاحب (التقريب) وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي منه في النصف الأخير، وقد غفل في النصفين جميعا مع اجتماع الكتب له أو أكثرها، وذهاب بعضها في عصرنا عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها؛ لئلا نجترئ على تخطئة المزني مع من خطأه فيه، وهو عنه بريء، ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا»، وكثيرًا ما ينقل عنه إمام الحرمين في نهاية المطلب، والغزالي في الوسيط، ولم أقف عليه مطبوعا. والله أعلم.
(٣) كما حكاه الفوراني. ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٨.
[ ٨٠ ]
والثاني: يردُّها على مالكها (^١).
وللقاضي الحسين في هذه احتمال وجهين في ملكه (^٢).
والقاضي أبو الطيب (^٣) وابن الصبّاغ (^٤) قالا فيما إذا قبل حيث قلنا: لا يجوز القبول، هل يُرَدُّ إلى بيت المال للمصالح؛ لأنه أهدي إليه لمكان ولايته وهو منتصب لمصلحة المسلمين، فكأن المُهدَى أُهدي للمسلمين، فصُرِف في مصالحهم، أو يُرَدُّ إلى صاحبه؟ فيه وجهان، وبعضهم يقول: قولان، وهما جاريان فيما وهب لعامل الصدقات:
أحدهما: يُرَدُّ إلى الصدقات.
والثاني: إلى مالكها (^٥).
والمذهب في «تعليق» (^٦) البندنيجي في الصورتين: الأول، وجمع في (الذخائر) (^٧) الطريقين، فقال: هل يملك؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يملك، فيرد
_________________
(١) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٧.
(٢) ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٨.
(٣) ينظر: التعليقة، لأبي الطيب الطبري (١٠٤٥).
(٤) ينظر: الشامل، لابن الصباغ (٢٤١، ٢٤٢).
(٥) ينظر: كفاية النبيه (١٨/ ١٠٧، ١٠٨).
(٦) لم أقف عليه مطبوعًا، والله أعلم.
(٧) كتاب (الذخائر) للقاضي مجلي (ت ٥٥٠)، وهو كتاب في فروع الفقه الشافعي، قال ابن خلكان في (وفيات الأعيان ٤/ ١٥٤): «صنف في الفقه كتاب الذخائر، وهو كتاب مبسوط جمع من المذهب شيئًا كثيرًا، وفيه نقل غريب ربما لا يوجد في غيره، وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها». وقال ابن قاضي شهبة في (طبقات الشافعية ١/ ٣٢٢): «ومن تصانيفه الذخائر، قال الإسنوي: وهو كثير الفروع والغرائب إلا أن ترتيبه غير معهود، متعب لمن يريد استخراج المسائل منه، وفيه أيضًا أوهام. وقال الأذرعي: إنه كثير الوهم، قال: ويستمد من كلام الغزالي ويعزوه إلى الأصحاب، قال: وذلك عادته». ولم أقف عليه مطبوعًا. والله أعلم.
[ ٨١ ]
إلى بيت المال، أو إلى مالكه؟ وجهان، ومن المجموع يأتي ثلاثة أوجه (^١).
قال الرافعي: والقياس ما ذكره أبو الفرج الزاز (^٢)، وهو أنه إذا لم يملكها تُرَدُّ على مالكها، فإن لم يُعرَف وُضعت في بيت المال (^٣) (^٤)، وهو الأصح في «الروضة» (^٥)، ونزول القاضي على من هو في محلّ ولايته، وأكل طعامهم كقبول هديتهم، قاله الماوردي (^٦).
وأخذ الرشوة حرام بالاتفاق، وكذا بذلها إن كان على أن يحكم بغير الحق، أو يقف عن الحكم بالحق، وأما إذا كان على أن يحكم بالحق فلا يحرم البذل، ويحرم القبول، صرح به الماوردي (^٧) (^٨)، وأبو الطيب (^٩)، وابن الصباغ (^١٠)، وعلى الأول يُحمل لعن الراشي (^١١)
_________________
(١) ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٨.
(٢) هو العلامة، شيخ الشافعية، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن زاز السرخسي، الشافعي، فقيه مرو، ويعرف بالزاز، بِزَايَيْن معجمتين، كان يُضرب به المثل في حفظ المذهب، اشتهرت كتبه، وكثرت تلامذته، وقصد من النواحي تفقه بالقاضي حسين، صنف كتاب (الإملاء) في المذهب، وانتشر في البلاد، وكان من أئمة الدين، توفي سنة ٤٩٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٥٤؛ طبقات الشافعية ١/ ٢٦٦.
(٣) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٤٦٨.
(٤) والذي يظهر أن المصنف ﵀ نقله عن ابن الرفعة في كفاية النبيه ١٨/ ١٠٧ - ١٠٩، الذي مبتدأه ص ٧٧، والله أعلم.
(٥) للنووي، ينظر: ١١/ ١٤٣.
(٦) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٧.
(٧) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٨٣.
(٨) ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠١.
(٩) ينظر: التعليقة لأبي الطيب الطبري (١٠٤٢، ١٠٤٣)، كفاية النبيه (١٨/ ١٠١).
(١٠) ينظر: الشامل (٢٣٩)، كفاية النبيه (١٨/ ١٠١).
(١١) قال صاحب (المرشد) أبو الحسن الجوري - -: «وتحمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا=
[ ٨٢ ]
وهذا التفصيل يؤيّد القول بأن الرشوة المال المدفوع قبل الحكم، سواء كان بحق أو بباطل (^١).
قال النووي في «الروضة»: وأما المتوسط بين الراشي والمرتشي، فله حكم مُوكَّله منهما، فإن كان وكيلا عنهما حرم؛ لأنه وكيل عن الآخذ، وهو محرَّم عليه (^٢).
قال ابن الرفعة: ثم ما حرمناه منها على الحكم بالحق محله: إذا كان للحاكم رِزْقٌ (^٣) من بيت المال، فإن لم يكن له رزق، وكان ممن يجوز أن يفرض له، فقال للمتحاكمين: لا أحكم بينكما حتى تجعلا لي جعلا، فالمحكي عن الشيخ أبي حامد، وهو المذكور في «تعليق» القاضي أبي الطيب: أنه يحل له ذلك (^٤)، وعليه جرى الجرجاني في «التحرير» (^٥).
قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يُذكر أنه طلبه من أحدهما (^٦)،
_________________
(١) = قصد بها إيقاف الحكم بالحق أو الحكم بالباطل». ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠١، والله أعلم.
(٢) قال ابن الرفعة في كفاية النبيه (١٨/ ١٠١): «وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق ولطلب باطل». انتهى.
(٣) ينظر: الروضة ١١/ ١٤٣.
(٤) قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) في مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٨): «الراء والزاء والقاف: أصل واحد يدل على عطاء لوقت». اهـ. وهو بالفتح: المصدر الحقيقي، وبالكسر: اسم لما ينتفع به. ينظر: القاموس المحيط، ص ٨٨٦، تحفة المحتاج ٤٢/ ٤٢٨، حاشية الشرواني والعبادي ١٠/ ١٠٣، نهاية المحتاج ٨/ ٢٣٧، حاشية الشبراملسي ٢٨/ ٦٩. وفرق بعض الفقهاء بينه وبين العطاء: بأن الرزق ما يخرج من بيت المال للجندي مثلًا كل شهر، والعطاء ما يُخرج له في كل سنة مرة أو مرتين. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١١٨٦.
(٥) ينظر: التعليقة، لأبي الطيب الطبري (١٠٤٣).
(٦) ينظر: التحرير (٢/ ٣٥٧).
(٧) ينظر: الشامل (٢٣٩).
[ ٨٣ ]
واعتبر البندنيجي في جواز ذلك أن يكون مشغولًا في معاشه بحيث يقطعه النظر
عن اكتساب المادة، كما قاله في «الحاوي» (^١).
أما إذا لم يقطعه إما لغناه بما يستمده، وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب، فلا يجوز أن يرتزق من الخصوم.
ثم اعتبر في «الحاوي» (^٢) في حالة الجواز مع ما ذكرناه ثمانية شروط:
أحدها: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم، فإن لم يعلماه إلا بعد الحكم لم يجز أن يرتزقهما.
الثاني: أن يكون على الطالب والمطلوب.
الثالث: أن يكون عن إذن الإمام، فإن لم يأذن لم يجز.
الرابع: أن لا يجد متطوعًا، فإن وجد لم يجز.
الخامس: أن يعجز الإمام عن دفع رزقه، فإن قدر لم يجز.
السادس: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مُضِرّ بهم، فإن أضر بهم، وأثر عليهم لم يجز.
السابع: أن لا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد لم يجز.
الثامن: أن يكون قَدْرُ المأخوذ مشهورًا يتساوى فيه جميع الخصوم، وإن تفاضلوا في المطالبات، فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان، فيجوز.
_________________
(١) لأبي الحسن الماوردي. ينظر: ١٨/ ٢٩٣.
(٢) ينظر: المصدر السابق.
[ ٨٤ ]
قال (^١): وفي مثل هذا معرَّة (^٢) على المسلمين، ولئن جاز في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن يُزال مع الإمكان، إما بأن يتطوع بينهم بالقضاء من هو أهل، وإما أن يقام لهذا بالكفاية.
فلو اجتمع أهل البلد مع إعواز (^٣) بيت المال على أن جعلوا للقاضي رزقًا من أموالهم دارا، جاز، وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم (^٤).
وأطلق (^٥) في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئًا من الرعية إذا لم يكن له رزقٌ من بيت المال (^٦).
وقال الرافعي في موضع: إن القاضي أبا سعد الهروي قال: الأكثرون منعوا أخذ الرزق من أهل ولايته، أو واحد الناس (^٧).
وفي موضع آخر: إنه لو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته، أو واحد منهم، فالذي خرَّجه صاحب «التلخيص»: أنه لا يجوز له قبوله (^٨)، لكن قد ذكرنا في الأذان أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مال الإمام، أو واحد من الرعية، وقد يفرق بأن رزق القاضي يورث تهمة وميلا، ولا كذلك رزق المؤذن ونحوه.
_________________
(١) أي: الماوردي.
(٢) الأمر القبيح المكروه والأذى. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٢٠٥.
(٣) أي: تعذر وجوده. ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص ٣٧.
(٤) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٩٣، ٢٩٤.
(٥) أبو الحسن الماوردي وصاحب البحر، الروياني.
(٦) ينظر: الحاوي ١٦/ ٢٤٦، بحر المذهب، للروياني ١٤/ ٣١.
(٧) ينظر: العزيز شرح الوجيز، للرافعي، ١٢/ ٤٦٦.
(٨) ينظر: أدب القاضي، لابن القاص (١٠٩، ١١٠).
[ ٨٥ ]
وحكي عن ابن كَجٍّ أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عُشر ما يتولاه من أموال اليتامى، والوقوف للضرورة.
ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: أيُّ ضرورة في هذا إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع، ومن ذهب إلى هذا فكأنه ذكر العُشر تمثيلا وتقريبا، ولا بد من النظر إلى كفايته، وإلى قدر المال والعمل (^١) (^٢).
قلت: ما أفسد الدين إلا الإغضاء (^٣) عن مثل هذا الكلام، وهو الحنفية والشافعية - غفر الله لهم - إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيها ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشر ما يتولاه قدر أجرة عمله، فيحتمل.
وأما إذا لم يكن كذلك، أو أن يجعل هذا عاما في جميع الأحوال وإن زاد عُشر الأوقاف عن أجرة عمله، فمعاذ الله أن يكون هذا في دين الله، ولا يُحمل قول من قال ذلك من الفقهاء إلا على واقعة خاصة أفتوا بحسبها، والفتاوى التي تجري في الوقائع الخاصة لا تتعداها، ولا عموم فيها، فلا يظن أحد من القضاة الفَجَرَةِ أن له متمسكا بها.
وقال القفال الكبير (^٤) في كتاب «أدب القضاة» (^٥) في «عيادة القاضي».
_________________
(١) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٤٥٨، ٤٥٩.
(٢) إلى هنا انتهى كلام ابن الرفعة الذي مبتدأه ص ٨٣، ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٢ - ١٠٤.
(٣) الإغضاء: إدناء الجفون، وأغضيت على القذى وغضوت عليه؛ أي: سكت، وقيل: التغافل. ينظر: العين ٤/ ٤٣١، المحيط في اللغة ١/ ٤١٥، مجمع بحار الأنوار ٤/ ٤٥، مادة (غضى).
(٤) هو محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الكبير، الشاشي، أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، له: محاسن الشريعة، توفي سنة ٣٦٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٠٠ وما بعدها.
(٥) لم أقف على أصل الكتاب للقفال، والله أعلم.
[ ٨٦ ]
لأحد الخصمين: قال بعضهم: إن كان ممن لا يتخلف عن عيادة المرضى فعادهُ لم أكره له، وإن لم يكن ذلك من شأنه، فلا أرى له أن يخصه بذلك حتى تنقضي الخصومة. وهذا مُحتمل، والأشبه بقول الشافعي: أنه لا يعوده ما لم تنقض خصومته، كما قال: إنه لا يقبل منه هدية، وإن كان يُهدي إليه قبل ذلك، حتى تنقضي خصومته (^١). هذا كلام القفال.
ثم قال أيضا: وأشدُّ ما ينبغي للحاكم الاجتهاد في إثباته إلى أحد الخصمين أمر الهدية؛ فلا ينبغي له أن يقبل من أحدهما هديةً، وإن كان يُهدى له قبل ذلك؛ لما في الهدية من قوة الإمالة، وقد قيل: إنما سمي مالًا؛ لأنه يميل.
وقد روي أن رجلا أهدى لعمر رجل جزورٍ، ثم جاء يخاصم إليه، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين: افصل بيننا كما يفصل رجل الجزور، وعمر لا يفهم، ثم فهم، فذكر ذلك للناس، وقال: ما زال يُكَرّرها حتى كدت أقضي له (^٢).
وقال أبو العباس بن القاص في كتاب «أدب القاضي»: قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة (^٣).
_________________
(١) ينظر: الأم ٧/ ٥٣١، مختصر المزني ٨/ ٤١٠.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن باب لا يقبل منه هدية، (٢٠٢٦٣)، ١٠/ ١٣٨ بلفظ: «أن رجلا كان يُهدي إلى عمر بن الخطاب ﵁ كل سنة فَخِذَ جزور، قال: فجاء يخاصم إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من الجزور، قال: فكتب عمر بن الخطاب إلى عماله: لا تقبلوا الهدايا فإنها رشوة». اهـ. وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٤/ ٣٢٠ وهو ضعيف؛ لانقطاعه؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر، والمتقي الهندي في كنز العمال - الترهيب عن القضاء - (١٤٤٨٨)، ٥/ ٨٢٣، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب الإشراف، ص ٢٥١، ٢٩٤.
(٣) ينظر: روضة القضاة وطريق النجاة ١/ ٨٥، والخرشي على مختصر خليل ٢/ ٢١٦، وقد رجعت إلى كتاب فقه الأوزاعي فلم أقف فيه على هذا القول، كما لم أقف عليه فيما توفر لدي من مصادر. والله أعلم.
[ ٨٧ ]
وروي عن [عمر]﵁: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرة، ولا صاحب مغنمهم» (^١).
ومعناه: من غير بيت المال، أو يكون على الاختيار له؛ لأنه قد روي: أن عمر بن الخطاب كان يرزق شريحًا كل شهر مئة درهم (^٢).
وحجة أخرى: أن القاضي عامل من عمال المسلمين، وقد جعل الله للعاملين على الصدقة في كتابه سهمًا (^٣)، وهذا كله إذا كان من مال الله ﷿ من بيت مال المسلمين، فأما أن يُجري له أهل عمله رزقًا، فلا يجوز له قبوله، وكذلك لو أجراه رجل منهم، أو أجراه السلطان.
قلته على مذهبهما تخريجًا؛ وذلك أن الشافعي قال في «كتاب
_________________
(١) في الأصل: (عثمان) كذا نسبه المصنف ﵀ ولم أقف عليه في كتب الأثر في هذه النسبة والذي وقفت عليه من الكتب المصنفة في الأثر هو نسب الأثر بنصه إلى عمر بن الخطاب ﵁ كما جاء ذلك في مصنف ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية (٢١٨٠٤)، باب في القاضي يأخذ الرزق ٤/ ٤٣٠، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الحصين عن القاسم عن عمر قال: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ أجرًا ولا صاحب مغنمهم»، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال - باب الرشوة - ٥/ ٨٢٤، بلفظ: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ أجرًا ولا صاحب مغنمهم»، ويعضد ما ذكرناه من أنه قول لعمر وليس لعثمان ﵀ ما نقله المصنف ﵀ عن ابن قدامة في نهاية الفصل السابع، فليرجع إليه، والله أعلم.
(٢) قال ابن حجر في التلخيص ٤/ ٣٥٦، ٣٥٧: «لم أره هكذا»، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن بن عمارة عن الحكم، أن عمر رزق شريحًا وسلمان بن ربيعة الباهلي على القضاء (١٥٢٨٢) باب هل يؤخذ على القضاء رزق ٨/ ٢٩٧، قال ابن حجر كذلك: «ضعيف منقطع»، وفي صحيح البخاري تعليقًا ٦/ ٢٦١٩: «وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا» ا. هـ. باب رزق الحكام والعاملين عليها، وقال ابن حجر في تغليق التعليق ٥/ ٢٩٤: «أما أثر شريح؛ فقال سعيد بن منصور: ثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي قال: كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان شريح يأخذ». وقال الألباني في الإرواء (٨/ ٢٣١): «لم أجده عن عمر».
(٣) وهو قوله تعالى في سورة التوبة، من الآية (٦٠): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.
[ ٨٨ ]
الصدقات» (^١): ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله فأخذ هديته وأثابه (^٢) عليها، حلت له، فإن لم يثبه عليها فليجعلها في الصدقات لا يحل له عندي غير ذلك، وإن أعطاه ربُّ المال فحرام أَخْذُه (^٣).
فأما أن يُهدى إليه على طريق الهدايا لا على طريق الرزق على عمله، فإن الشافعي قال في كتاب [أدب] (^٤) القاضي (^٥): ولا يقبل من أحد الخصمين هدية حتى ينفد خصومتهما (^٦).
وحكى محمد بن الحسن في كتابه عن أبي حنيفة، أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل هدية؛ فإن ذلك يُوقِعُ التهمة، ويُطمع فيه الناس (^٧)، وحكى الخَصَّاف عنه أنه كره قبولها، وإن قبل لم تسقط عدالته (^٨).