لنقتصر على هذا القدر من كلام الأصحاب، وملخصه: أن قبول الرشوة حرام قطعا من كل أحد، وكذا الهدية في حال الخصومة، أما في غير حال الخصومة فإن لم يكن له عادة قبل الولاية، حرم القبول في الأصح، إلا أن يكون المهدي من غير بلد ولايته في غير بلد ولايته، فيحل، وكذا في بلد ولايته على الوجه الذي حكاه الماوردي.
وأما قبولها ممن هو من أهل ولايته إذا خرج القاضي لغير ولايته، فقد تقدم ما يقتضي وجها فيه، وهو بعيد.
والذي ينبغي في المسائل الثلاث: أنه متى ظهر أنه يُهدي لأجل الولاية يحرم، وإن كان في غير ولايته ممَّن ليس من أهل ولايته، وإن كانت له عادة، جاز في الأصح ما لم يزد.
وحيث حرمنا القبول، فإن جهل صاحبها وُضِعت في بيت المال، وقيل: هي ملك لمن أهديت له، وإن علم صاحبها، فالأصح عند النووي وغيره من المتأخرين ردُّها إليه، وقيل: توضع في بيت المال (^١)، وهو المختار؛ لحديث ابن اللتبية (^٢)، وقال صاحب «البيان»: إنه المذهب (^٣).
والمعنى الذي أشار إليه الشافعي والأصحاب المتقدمون، والحنفية من اعتبار المعنى الذي قصده المهدي فكأنها للمسلمين، ويرشد إليه قول ابن أبي عصرون (^٤)، وقيل: في الصدقات ليس بجيد؛ لأن المهدى إليه إن كان عامل
_________________
(١) ينظر: روضة الطالبين ١١/ ١٤٣.
(٢) سبق تخريج الحديث.
(٣) ينظر: البيان ١٣/ ٣٤، وسبق قوله الصفحة السابقة.
(٤) سبق قوله ص ٩٩.
[ ١٠٥ ]
صدقة ففي الصدقات ليس إلا، وإن كان واليًا عامًا ففي بيت المال، ومن أطلق أحد اللفظين فمحمول على هذا التفصيل، فلا يُجعلان وجهين، هذا كله في الهدية.
أما الرشوة فالذي ينبغي أنه إن جهل صاحبها وضعت في بيت المال قطعًا، وإن عُرِفَ رُدَّت عليه قطعًا؛ لأنه لم يخرج عنها إلا لما قصده من الحكم الذي لم يحصل له، ولا يملكها المهدى إليه بلا خلاف.
وأما إذا قلنا: إن قبول الهدية مكروه حيث نقول به، فالأكثرون من الأصحاب على أنه يملكها المهدى إليه.
والمختار عندي: أنه لا يملكها كما حكاه القفال (^١) اعتبارًا بالمعنى الذي لحظوه؛ من أنه إنَّما أهدى إليه لقوة المسلمين لا لقوته بخصوصه، ويرشد إلى هذا حديث معاذ (^٢) لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وجاء بهدايا، وقصته مع أبي بكر وعمر مشهورة.
بل أقول: إن حديث ابن اللتبية (^٣) وغيره إنما يدل على هذا، ولا يدل على التحريم؛ ولهذا سماها غُلولًا، فالقول بأن الهدايا حرام تُرَدُّ على صاحبها مخالف لحديث ابن اللتبية، ولحديث معاذ.
والقول بأنها حرام وتوضع في بيت المال، لم يدل عليه الأحاديث، وفيه نسبة معاذ إلى ارتكابه مع قوله ﷺ: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (^٤).
_________________
(١) سبق قوله ص ٧٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) وهذا ثناء عظيم من رسول الله ﷺ على أفضلية علم معاذ بالحلال والحرام، أخرجه أحمد (١٢٩٠٤) ٢٠/ ٢٥٢، وابن ماجه (١٥٤) ١/ ٥٥، والترمذي (٣٧٩١)، باب مناقب=
[ ١٠٦ ]
فالذي يظهر بأن الهدايا إذا لم يقصد بها معنى الرشوة ولا كانت في وقت خصومة، ولا تضمين إزراء (^١) لمنصب القضاء، ولا تهمة، أو ميلا، بل كانت مكارمة بين الأكفاء؛ أنه لا يمتنع/ [٢٢/ ب] قبولها، لكنه يُنظر مع ذلك إلى المعنى الباعث لصاحبها على الإهداء، فإن كان هو لولاية فلا يملكها المهدى إليه، بل يكون للمسلمين؛ لأنه إنما أخذها بقوتهم وسببهم، وكأنه قائم مقامهم، وإن كان الباعث عليها قصده بخصوصه كما إذا لم يكن له ولاية، فهي ملكه، هذا هو الذي يظهر من ذلك.
ولما كان القاضي مَظِنَّةَ التُّهمة، كرهنا له قبول الهدايا مطلقا، فإن زالت الرِّيبة جاز.
وحديث معاذ (^٢) الذي أشرنا إليه قد ذكرناه، وتناولُ معاذ له من أربابه يدل على اعتقاده [حِلَّ] (^٣) القبول، وأبو بكر وعمر لم يُنكرا عليه، ولا قالا له: إنه فَعَلَ حرامًا، وإنما اقتضى كلامهما أنه لبيت المال، واختلف رأيهما؛ فعمر رأى أنه لا يطيب إلا بأمر الإمام، وأبو بكر لعله رأى أن ذلك يتقيد بقول النبي ﷺ: «لعل الله يجبرك»، فلا معارضة بينه وبين قول عمر.
هذا ما ظهر لنا من البحث، والفقهاء من جميع المذاهب استدلوا بحديث معاذ بن جبل.
_________________
(١) أي: إذا قصرت به وتهاونت، مادة (زرأ). ينظر: معجم بحار الأنوار ٢/ ٤٢٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في الأصل: (خل) وهو خطأ، والله أعلم.
[ ١٠٧ ]
ابن اللتبية (^١) على تحريم القبول، وهم أعلم منا، فلا بأس بموافقتهم، ولا مانع أن يَصدُرَ من بعض الصحابة شيء عن اعتقادِ إباحة، [ويبين] (^٢) النبي ﷺ حُرمَته، فيرجعون إليه.
ولو ثبت جوازه في العامل لم يلزم جوازه في القاضي؛ لأن القاضي منصوب للعدل بين الخصوم، وعدم الميل بالكلية، فيمتنع مما يؤدي إلى خلاف ذلك، والمطلوب من العامل وظيفة يقوم بها على وجهها، والله أعلم.
فإن قلت: فإذا كانت حلالًا وهي لبيت المال، فربما يقول من هي في يده: أنا لي حق في بيت المال، فأخُذُها منه.
قلتُ: ليس له إلا أن يأذن الإمام الناظر في المصالح وأموال بيت المال، فإن رآه أهلا لذلك وضعها فيه، كما فعل أبو بكر بمعاذ، وإلا صرفها عنه إلى من هو أحق بها، وهذا شأن أموال بيت المال كلّها.
وفي هذه زيادة خصوصية تقتضي تحتم الإيثار بها إلى الإمام، من جهة أن المهدى إليه إذا تحقق أنه لا يختص بها، بل لا بد أن يأتي بها إلى الإمام، فإن طيبها له قبلها، وإلا دفعها إلى بيت المال، لم يبقَ له غرض خاص فيها، فتزول التهمة عنه، ولا يصير في معنى الرشوة.
بخلاف ما إذا أخذها وغَلَّها، فإن التهمة حينئذ متمكنة، والميل قوي لما حصل له بخصوصه من النفع من جهته.
فإن قلت: فمعاذ إِنَّما قبلها لنفسه على ما ظهر من حديثه، ولم يكن في نيته
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في الأصل: (وتبين) وهو خطأ لا يُنبئ عنه سياق الكلام، والكلام بإثباتها غير مستقيم، وبما أثبته يستقيم الكلام. والله أعلم.
[ ١٠٨ ]
أن يأتي بها إلى بيت المال، فإن نظرتم إلى فعله فقولوا بالجواز، وإن قصد أخذها لنفسه.
قلت: قد قال: إن النبي ﷺ قال: «لعل الله يجبرك»، فلعله نزل ذلك منزلة الإذن من النبي ﷺ وهو الإمام، وظاهر حال معاذ أنه فَهِم ذلك، وكذا ظاهر حال أبي بكر في جوابه لعمر.
فإن قلت: فإن كان ذلك لأمر النبي ﷺ، فيكون إباحة الهدية له خاصةً رخصة من النبي ﷺ، فلا يُستدل به في غيره.
قلت: ما قلنا: إن أمر النبي ﷺ له بالقبول، بل القبول مباح، وإنما فهم من النبي ﷺ تخصيصه بما يحصل له، فلا يؤخذ منه كما أخذ من ابن اللبِيَّةِ، وبهذا تجتمع الأحاديث، ولا تتناقض.
فإن قلت: ما ذكرته يقتضي أن الهدية للحاكم وللعامل مباحةٌ، وقد قلت: إن الأصح تحريمها.
قلتُ: الهدية باعتبار ما يُقصد بها، فمتى ظهر من صاحبها استعانة بها على شيء من الحكم، حَرُمَ قبولها، ومتى كانت لمجرد المكارمة والتودُّد، لم تحرم، ولم يكن يخفى ذلك على معاذ، وهو أعلمُ الأُمَّةِ بالحلال والحرام، ولا يخفى عليه حاله فيما يتناوله، وهو من جلة الصحابة، فلم يكن يُقدِمُ إِلَّا على ما هو حلال إن شاء الله.
ونحن إذا أنا أطلقنا في القاضي التحريم، فهو بناءً على ما هو الغالب فيمن لم يُهد إليه إلا بعد القضاء مع كثرة الرّيب والتهم، فإن فرض في صورة نادرة من ظهر له بقرائن الأحوال انتفاء الرّيب كلها والتهم، والله أعلم بباطنه، فنرجو أنه لا حرج عليه في القبول،/ [٢٤/ ١] وحينئذ يجب عليه وضعها في بيت المال، والله أعلم.
[ ١٠٩ ]