أما بعد: فإني كنت في الشام في سنة سبع وسبعمئة في رحلتي إليها، ووقع في الديار المصرية في ذلك الوقت الكلام في هدايا العُمَّال وحكمها في مذاهب العلماء المعوّل عليها، بسبب هدايا أُهدِيَت إلى بيبرس (^١) وسلار (^٢)
_________________
(١) هو بيبرس، ركن الدين، الجاشنكير، المنصوري، وكان يعرف بالعثماني، وسمي بالملك المظفر، وناب له سلار، توفي سنة ٧٠٩ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٢١٨/ ١٠، الدرر الكامنة ٤٧/ ٢.
(٢) هو سلار بن عبد الله المنصوري، الأمير سيف الدين، نائب السلطنة بديار مصر، كان تركي الجنس، وكان أبوه أمير شكار عند صاحب الروم، فلما غزا الملك الظاهر بيبرس التتار والروم، كان سلار هذا ممَّن أُسرَ في الواقعة، فاشتراه قلاوون وأعطاه لولده الصالح علي، ومات الصالح فعاد سلار إلى الملك المنصور ثانيًا، وصار من أعيان مماليكه، مات في السجن سنة ٧١٠ هـ. ينظر: المنهل الصافي ٦/ ٥ - ٧.
[ ٥٥ ]
ونحوهما من أمراء الأمة، وهل توصف بالحِلّ أو الحرمة؟
فأفتاهم عز الدين عبد العزيز بن عبد الجليل النَّمْراوي الشافعي (^١) بتحريمها، ووافقه الشيخ شمس الدن محمد بن يوسف بن هبة الجوزي الخطيب (^٢)، ونجم الدين الحسين بن علي بن سيد الكل (^٣) الأسواني (^٤).
متمسكين بالحديث المشهور: «هدايا العُمَّال غُلُولٌ» (^٥)، وبقول الفقهاء في القاضي: ولا يقبل الهدية ممن لم يكن له عادة بالهدية.
وأفتاهم بدر الدين بن جماعة (^٦) قاضي الشافعية بإباحتها، وأنكر القول بالتحريم، وعمل في ذلك تصنيفا لطيفا (^٧)، وقفت عليه.
_________________
(١) أحد فقهاء القاهرة المشهورين، وأحد المناظرين من الشافعية، أفتى ودرس وصحب الأمير سيف الدين سلار، وترقّى بسببه، وكانت وفاته ليلة الأربعاء سنة ٧١٠ هـ بالديار المصرية. ينظر: أعيان العصر وأعوان النصر ٣/ ٩٩، وطبقات الشافعيين ١/ ٩٥٣، ٩٥٤.
(٢) لم أقف على ترجمته، والله أعلم.
(٣) تصحفت (الكل) في المطبوع من أعيان العصر وأعوان النصر لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) إلى: (الأهل)، وذلك في ترجمته له، والله أعلم.
(٤) هو الحسين بن علي بن سيد الكل بن أيوب بن أبي صفرة، ويقال: ابن سيد الكل بن أبي الحسن بن قاسم بن عمار الأزدي الأسواني، نجم الدين، الفقيه الشافعي المعروف بابن أبي شيخة، سمع من الدمياطي ومحمد بن عبد القوي، وكان يُفتي ويدرس ويُقرئ في كل شيء، وأخذ عنه الطلبة طبقةً بعد طبقة، توفي سنة ٧٣٩ هـ. ينظر: الدرر الكامنة ٢/ ١٧٥، ١٧٦.
(٥) وسيأتي تخريج الحديث من كلام المصنف ﵀، قال ابن الأثير في النهاية: ٣/ ٣٨٠: «الغلول: هو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غل في المغنم يغلّ غلولًا فهو غال، وكل من خان في شيء خفية فقد غلّ» ا. هـ.
(٦) هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو عبد الله، من علماء الحديث وسائر علوم الدين، ولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر، توفي بمصر في جمادى الأولى سنة ٧٣٣ هـ، وله تصانيف، منها: المنهل الروي في الحديث النبوي. ينظر: معجم الشيوخ الكبير، للذهبي ٢/ ١٣٠، طبقات الشافعية الكبرى ٩/ ١٣٩ وما بعدها.
(٧) لم أقف عليه، والله أعلم.
[ ٥٦ ]
ولما قدمت من الشام وبلغني ذلك، وإنكار القاضي بدر الدين على النمراوي في فتواه بذلك، سألت عن ابن الرّفعة: ما كان جوابه في ذلك؟ فقال: إنه سأل المهدى إليهم: هل تثيبون عليها؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: هذه هبة ثواب، وليس من الهدايا المحرَّمة، فقالوا: ما هو الثواب؟ فقلت: ولو دجاجة.
هذا ما اتفق في ذلك، وما برحت أستنكر القول بالإباحة، وقول ابن الرفعة أيضًا، وأتوهم أن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين - والله يغفر لنا وله - أو عدم إتقان المسألة.
والآن عَنَّ لي أن أكتب شيئًا في ذلك، والحامل على ذلك، أنَّني لما وصلت في التفسير (^١) إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ (^٢)، تكلمت في القاضي الذي هو نائب الشرع، وما يلزمه من التحفظ والتصاون عن تطرف إليهم، ووسعت القول في ذلك.
وبقي في نفسي ما لم يحتمله التفسير، فأحببت أن أبينه، فأفردت هذه الكراسة له، وجعلتها مسألة مستقلة سميتها:
«فصل المقال في هدايا العمال»
وهو مرتب على فصول:
_________________
(١) المصنف ﵀ له كتاب في التفسير اسمه (الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم) في ثلاث مجلدات، لم يكمله، وتوجد منه نسخة في إيطاليا، ميلانو بمكتبة الأمبروزياتا. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٠٧، طبقات الشافعية ٣/ ٤١، كشف الظنون ١/ ٧٣٦.
(٢) سورة الطور، آية رقم (٤٠)، وسورة القلم، آية رقم (٤٦).
[ ٥٧ ]