المقدمة
الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده للفقه في الدين، ورفع منزلة أهل العلم درجات على سائر المؤمنين، وخصهم بأن يكونوا ورثة النبيين، ومشعلًا يُستضاء به بين العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد المرسلين، وقدوة العالمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:
فلا يخفى ما للفقه من منزلة عظيمة، وأهمية كبيرة، ورتبة جليلة؛ ذلك أن حاجة الناس إليه شديدة.
يقول الحجوي ﵀: «فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصب لأي جنسية، فهي دائمة بدوام الفقه، مضمحلة باضمحلاله» (^١).
والحاجة إلى الفقه شاملة لجميع المسائل كلها، دقيقها وجليلها، لا سيما المسائل التي لها الأثر البالغ في واقع الناس وتعاملاتهم.
ومن هذه المسائل التي تضافرت الأدلة على بيان حكمها، وتجلية أمرها: مسألة هدايا العمال.
ومما يُبيِّن عظيم موقعها وجليل خطرها، أنَّ بعض أهل العلم وصَفَها بأنَّها
_________________
(١) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ١/ ٧١.
[ ٧ ]
هي أصل فساد العالم.
يقول ابن قيم الجوزية: «الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهديَّة، وهو أصل فسادِ العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يُحصيه إلا الله؛ وما ذاك إلا لأنَّ قبول الهدية ممن لم تَجْرِ عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحُبُّكَ الشيء يُعمي ويُصِمُّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره وإغماض عن كونه لا يصلح» (^١).
ولهذا، كان أغلب كلام السادة الفقهاء والعلماء الأجلاء في مدوناتهم الفقهية منصبا على القضاة، ومتوجها إليهم، وإن كان الحكم لا ينحصر فيهم، إلا أنه في حقهم أغلظ وأخطر.
يقول الفقيه أبو الحسن الماوردي في حق قضاة الأحكام: «فالهدايا في حقهم أغلظ مأثما وأشدُّ تحريمًا؛ لأنَّهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها، يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله الرَّاشِي والمرتشي في الحكم» (^٢) فخص الحكم بالذكر؛ لاختصاصه بالتغليظ» (^٣).
ويلتحق بهم عند عامة الفقهاء سائر أصحاب الولايات والأعمال والوظائف؛ فإنَّهم في حكمهم.
ولما كانت هذه المسألة بهذه المنزلة، خصها بعض الفقهاء بالتأليف،
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٥/ ٢٠.
(٢) سيأتي تخريجه والحكم عليه ص ٦٠.
(٣) الحاوي، للماوردي ١٦/ ٢٨٦.
[ ٨ ]
ووسع القول فيها، ومن هؤلاء العلامة المتفنن تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، حيث ألف رسالة وسمها بـ: (فصل المقال في هدايا العمال) بين فيها حدود هذه المسألة وصورها، ووسع القول في بيان أحكامها وذكر الأدلة عليها.
وقد يسر الله - بحوله وقوته - أن حصلت على نسخة وحيدة نفيسة لهذه الرسالة، فقرأتها، وفحصتها، وتحققتها، ووجدتها سفرًا من أسفار الفقه العظيمة، وعُمدةً في بابها، ففرحت بذلك جدًّا، وسارعت باقتناء المخطوطة، وإعداد خطة بحثية لتحقيقها؛ ليكون هذا الكتاب موضوعًا للحصول على درجة الماجستير في الفقه المقارن من المعهد العالي للقضاء (^١)، وها أنا بحمد الله اليوم: أطوي مدة زمنية متواصلة قاربت السنة ونصفها، قضيتها في تحقيق هذا السفر الفريد، لأقدمه إلى ثلة من العلماء الفاحصين لتقويمه وتصويبه، وبعد ذلك إلى طبعه ونشره؛ لأشبع به نهم العلماء العارفين، والقضاة العادلين، وطلاب العلم المثابرين، ويأخذ هذا الكتاب موقعه في المكتبة الإسلامية بعد أن كان غائبًا عنها دهرا من الزمان.