قال ابن قدامة الحنبلي في (المغني) من كتبهم في كتاب القضاء: ولا نقل قول ابن قدامة يقبل هدية ممن لم يكن يهدي إليه قبل ولايته؛ لأن الهدية في الغالب يقصد بها الحنبلي في ذلك استمالة قلبه؛ ليعتني به في الحكم فيشبه الرشوة.
وقال مسروق: إذا قبل القاضي الهديَّةَ أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكُفر (^١).
ولحديث أبي حميد (^٢)؛ ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل أنها من أجلها؛ ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يَجُز قبولها كالرشوة.
فإن كان يُهدي إليه قبل/ [١/ ٠١] ولايته جاز قبولها بعد الولاية، ويُستحَبُّ التنزه عنها، وإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومة أو فَعَلَها حال الحكومة، حَرُمَ.
فأما الرشوة في الحكم ورشوة العامل فحرام بلا خلاف، قال الله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (^٣)، وقال ﷺ: «لعن الله الراشي والمرتشي»، رواه أبو هريرة، وزاد: «في الحكم» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٢٣٨٤)، كتاب البيوع والأقضية، باب في الوالي والقاضي يهدى إليهما ٦/ ٥٤٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سورة المائدة، جزء من الآية رقم (٤٢).
(٤) سبق تخريجه.
[ ١٦٧ ]
ورواه أبو بكر في «زاد المسافر» (^١)، وزاد: «والرائش»، وهو السفير بينهما.
قال كعب: الرشوة تُسَفِّهُ الحليم، وتُعمي عين الحكيم.
فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع حقًا فملعون، وإن رشاه ليدفع ظُلمَه ويَجْزِيَه على واجبه، فقد قال عطاء، وجابر بن زيد، والحسن: لا بأس أن يُصانِعَ عن نفسه، فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها، فعليه ردها إلى أربابها؛ لأنه أخذها منهم بغير حقّ، فأشبه المأخوذ بعقد فاسد.
ويحتمل أن يجعلها في بيت المال؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر ابن اللتبية (^٢) بردها على أربابها.
وقال أحمد: إذا أهدى البطريق (^٣) إلى صاحب الجيش عينا أو فضة، لم يكن له دون سائر الجيش.
قال أبو بكر: يكونون فيه سواء (^٤).
وقال ابن قدامة أيضًا: يجوز للقاضي أخذ الرزق، وقال أبو الخطاب: يجوز مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين.
وقال أحمد: ما يُعجبني أن يأخذ على القضاء أجرًا، وإن كان فبقدر شغله مثل ولي اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء (^٥)، فأما
_________________
(١) ذكره ابن أبي يعلى في ترجمته، في: طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٠.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) البطريق بلغة أهل الشام والروم: هو القائد، معرَّب. ينظر: لسان العرب ١٠/ ٢١، القاموس المحيط ص ٨٦٨.
(٤) ينظر: المغني ١٤/ ٥٨ - ٦٠.
(٥) أخرج خبر الحسن، ابن أبي شيبة في: باب في القاضي يأخذ الرزق، من كتاب البيوع =
[ ١٦٨ ]
الاستئجار عليه فلا يجوز.
قال عمر ﵁: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا» (^١)، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا.
فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا، جاز، ويحتمل أن لا يجوز (^٢).
قلت: وقد تقدم هذا من كلام أصحابنا (^٣)، والكلام عليه فرع من كلام ابن حزم، قال في «المحلى» في «كتاب الهبات»: ولا تحل الرشوة، وهي ما أعطاه المرء؛ ليحكم له بباطل، أو ليولى ولاية، أو ليظلم له [إنسانًا] (^٤)، فيأثم المعطي والآخذ، ومن منع حقّه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فيباح للمعطي، ويأثم الآخذ، والمال باقٍ على ملك المعطي، ومن جملة هذا ما أعطيه أهل دار كُفْرٍ في فداء الأسرى، وفي كل ضرورة.
وكلُّ هذا مُتَّفَقٌ عليه، إلاَّ مُلْك أهل دار الكفر ما أخذوه في فداء الأسير وغيره، فإن قومًا قالوا: قد ملكوه، وهذا باطل؛ لأنه لم يأت به قرآن ولا سُنَّة، وقولنا في هذا هو قول الشافعي وأبي سليمان.
فإن قيل (^٥): لِمَ أبحتم عطاء المال في دفع الظلم، وقد روى أبو هريرة
_________________
(١) = والأقضية. المصنف ٦/ ٥٠٥.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ينظر: المغني، ١٤/ ٩، ١٠. إلى هنا انتهى كلام ابن قدامة الذي مبتدأه بداية هذا الفصل، والله أعلم.
(٤) سبق بالتفصيل في الفصل الثاني فليرجع إليه.
(٥) على الصواب، منصوبًا على المفعولية، موافقة لقواعد النحو، وللمصدر الذي نقل عنه المصنف - ﵀ - وهو كتاب المحلى لابن حزم، والله أعلم.
(٦) من كلام ابن حزم.
[ ١٦٩ ]
قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه/ [١/ ٥٢] وسلم فقال: يا رسول الله، إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال: لا تُعطِهِ مالك (^١)، وخبر لعن الراشي» (^٢)؟
قلنا: خبر «لعن الراشي» إنَّما رواه الحارث بن عبد الرحمن، وليس بالقوي، وأيضًا دافع الظلم ليس راشيًا، والخبر في [المقاتلة] (^٣) به يقول من قَدَرَ على دفع الظلم عن نفسه لم يَحِلَّ له إعطاء فلس فما فوقه في ذلك، ومن عجز فالله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٤).
وأما من نصر آخَرَ في حقّ أو دَفَعَ عنه ظلما، ولم يشترط عليه عطاء، فأهدى إليه مكافأة فهذا حسن، وعن علي وابن مسعود المنع منه، ولا نعلم برهانا يمنع منه (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في كتاب الإيمان (٢٢٥)، باب من قصد أخذ مال غيره بغير حق ١/ ١٢٤، وأخرجه البخاري من نفس حديث أبي هريرة بلفظ مقارب في كتاب المظالم (٢٣٤٨)، باب من قاتل دون ماله ٢/ ٨٧٧.
(٢) . تقدم ص ٥٨.
(٣) في الأصل: (المقابلة)، وصوابه: (المقاتلة)، موافقًا لما في المحلى، وهو الأليق بالسياق أيضًا، والله أعلم.
(٤) سورة البقرة، جزء من الآية رقم (٢٨٦).
(٥) ينظر: المحلى ٩/ ١٥٧، ١٥٨.
[ ١٧٠ ]